النهرين
Archive for July 11, 2010
الكلمة الكريهة (ساطع راجي
Jul 11th
لا أحد يجب أن يكون (سابقاً) في العراق، لا في السياسة ولا في غيرها وتجد صغار الموظفين الذين قضوا في دوائرهم أكثر من اربعين عاماً يشعرون بالغبن عندما يحالون الى التقاعد مهما كان موقعهم بسيطاً وعملهم شاقاً وتزداد درجة التشبث بالموقع الى حالة منذرة بالسوء عندما يكون الموقع مهماً وذا صفة سياسية، فرئيسا الوزراء السابقين بعد 2003 لم يستوعبا خلال أربع سنوات أن يكونا رئيسي وزراء سابقين .وهكذا تصرفا أحياناً كرئيسي وزراء وأدارا جهدهما السياسي ليكون فقط طريقا يعودان عبره الى رئاسة الوزراء رغم أنهما سلما موقعهما بسلاسة. رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي لا يريد الدخول في الحلقة التي دخلها أسلافه، ولذلك هو يسعى بكل ما يمتلك من قوة للبقاء في موقعه بدل أن يخرج منه ثم يستمر في الحلم بالعودة إليه، والمالكي يبذل في سبيل ذلك جهداً عظيماً لضبط النفس والصبر على المفاوضات وصم الآذان عن الضغوطات معتمداً على وجوده الفعلي الآن في رئاسة الوزراء وعلى قصير نفس الآخرين. وغير هؤلاء، هناك مجموعة من الساسة الذين كان لهم دور ما في الأيام الأولى للتغيير ثم لم يتحملوا موضوع (التداول السلمي للسلطة) فاختفوا عن واجهة الأحداث، وهناك ممن كان في الصفوف الأولى فلم تسعفه الحظوظ فيما بعد فصار لا يبرز للعيان إلا في المواسم الانتخابية قبل أن يعاود الاختفاء مرة أخرى. رجل السلطة العراقي لا يستطيع الابتعاد كثيراً عن الموقع الذي كان يشغله فهو يظل يحوم حول ما يعتبره حقا له استلب منه أو فقده بسبب ملابسات غير عادلة، والحومان حول المنصب القديم يكون بالتصريحات والمقابلات الصحفية والحراك الداخلي والخارجي، ويبقى في حالة تأهب مستمرة للعودة، وهذا السلوك جزء من موروث ثقافي يرى ان السلطة ثوب يلبسه الله للشخص ولا ينزعه إلا الله، وإذا كان ساسة العراق على أستعداد للخوض في بحر من الدماء لئلا تلصق بها صفة (السابق) التي يتعامل البعض معها وكأنها إهانة رغم أن تغيير الوجوه والأحزاب والنظم هي جزء من سنة الحياة ومن سنن السياسة وتحديداً الديمقراطية. كراهية الخروج من موقع السلطة تعني أن البلد (أي بلد) قد يدخل حالة الجمود في أية لحظة ولن يخرج منها إلا بموت الزعيم أو بحدوث كارثة، والأرث السياسي لمنطقة الشرق الأوسط بأجمعه يتجه دائماً الى تفضيل السلطة السكونية التي تستمر حتى الموت ويعتبر التحول والتغيير أقرب الى الفتنة، وهذه فكرة تحاول التماهي مع الأدارة المطلقة للكون باعتبارها النموذج الأفضل بالاقتداء وهي هنا تتناقض مع محدودية الأنسان جسداً وعقلاً وأخلاقاً، وهذه المحدودية هي بالذات ما يجعل من الديمقراطية نظاماً أكثر أنسجاماً مع المجتمع البشري.كلمة (السابق) كريهة على نفوس الزعماء والساسة، لكن في بلد ديمقراطي (برلماني تحديداً) الأفضل لهم التعود عليها، فالأستمرار بكراهيتها سيسبب لهم وللعراق الكثير من المشاكل وقد يدفع بهم الى تصرفات غير مقبولة تسيء إليهم شخصياً.
المصدر : الفيحاء
أخطبوط الحكومة ( صادق حسين الركابي
Jul 11th
بات الكل يعرف الأخطبوط العرّاف (بول) الذي صدقت تنبؤاته بفوز المنتخب الألماني على خصومه و هزيمته أمام إسبانيا. و بات العديد من المهتمين بالشأن الرياضي يترقبون توقعات هذا الأخطبوط خاصة بالنسبة لما ستسفر عنه المبارات النهائية لكأس العالم بين كل من إسبانيا و هولندا. أما نحن في العراق فما زلنا في مرحلة التصفيات . فلا من خاسر فنعزيه و لا من رابح فنهنئه. و ما زالت لعبة شد الحبل (أو اللعب على الحبال) مستمرة بين جميع الأطراف. و هناك العديد من الحلول التي طرحت و الكثير من الأطراف التي تدخلت. لكن لغة الحال في العراق هي أن يبقى الوضع على ما هو عليه إلى أن يأتي الفرج. لكن الموعد النهائي و الدستوري لاختيار الرؤساء الثلاثة يقارب على الانتهاء ، تماما ً كما هو حال المباراة النهائية لكأس العالم . و إذا ما وصلنا إلى هذا الموعد من دون تحديد (الرابح الأكبر) فسيكون لزاما ً على جميع الفرق أن تقبل بضربات الجزاء الترجيحية. هذه الضربات التي سوف يتلقاها مرمى العراق من المجتمع الدولي لن تكون مستساغة لكثير من الأطراف خاصة و أن كلا ً منها يرى في فريقه مرشحا ً للفوز بمنصب رئيس الوزراء. تشابه عجيب و مصادفة غريبة تجمع بين كرة القدم و لاعبي السياسة في العراق في حين يبقى المواطن العراقي متفرجا ً ينتظر إعلان صفارة النهاية. و قد يتطلب الأمر الاستعانة بأخطبوط ماهر كالأخطبوط العراف (بول) ليلتف بأذرعه الطويلة على أحد هؤلاء اللاعبين المرشحين للفوز بمنصب رئيس الوزراء. و هو حل قد يلجأ إليه العديد من المراقبين السياسيين الذين احتاروا في تصريحات تصدر عن البعض ليلا ً ليمحوها ضوء النهار لاحقا ً. لكن مهمة الأخطبوط (بول) لن تكون سهلة في العراق. فالمرشحون المؤهلون للفوز يفوقون أذرعه الثمانية و قد نكون بحاجة إلى أكثر من أخطبوط لحسم الخلاف. و قد تكون الاستعانة بالأخطبوطات فكرة عملية و فعّالة ، لا سيّما و أن ثعالب السياسة في أكثر من دولة إقليمية و أجنبية فشلوا في هذا الأمر. أضف إلى أن هذه الأخطبوطات قد تغوص في أعماق البحر العراقي المتلاطم و تكتشف غموض الواقع المعقد الذي تمر به البلاد. كما أنها تتحرك في جميع الاتجاهات و بهذا فهي ترضي جميع الأطراف و تكون على مسافة واحدة من الجميع. عندئذ ٍ لا يمكن لأحد أن يتهمها بالطائفية أو العلمانية أو الحزبية و لا حتى العنصرية لأنها و بكل بساطة غير معروفة الاتجاه. فهي تارة إلى اليمين و أخرى إلى اليسار. تماما ً كما هو حال البوصلة السياسية في عراق اليوم.و يبدو أن قضية العثور على أخطبوط ليست بالقضية الصعبة فهم كثر و الحمد لله ، لكن الصعوبة تكمن في معرفة حقيقة المهمة المناطة بهذا الأخطبوط. فهل تنحصر مهمته في حسم الخلاف على رئاسة الحكومة أم أنها ستمتد إلى ترأسها ؟
المصدر : الفيحاء
اقليم كُردستان والمحيط العربي (كفاح محمود كريم
Jul 11th
بعد الزيارة المهمة التي اجراها الرئيس مسعود بارزاني الى كل من السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة ولبنان، زار خلال الايام الماضية كل من الاردن وجمهورية مصر العربية في انفتاح كردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الاعلام الاسود فعلته في تشويه تطلعات الاقليم الكردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب شعوبا وفعاليات سياسية عبر موروث كبير من الايجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، رغم ما فعلته انظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة واعلامها الاسود طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من اجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الارض والدين والمصير. ومن اطلالة تاريخية على موروث الزعيم مصطفى البارزاني قائد حركة النهضة الكردية المعاصرة نكتشف ان اول لبنات مبادئه في النضال الكردي انما هو مقارعة الدكتاتورية والعمل من اجل نظام ديمقراطي يرسخ عرى العلاقات التاريخية بين مكونات العراق العرقية والقومية والدينية على اسس من العدالة والحرية والكرامة الانسانية، بعيدا عن اي شعور قومي متعصب او كراهية تمزق نسيج المكونات العرقية والقومية سواء في العراق او سوريا. وفي ادق مراحل الصراع بين الحركة التحررية الكردية والانظمة الدكتاتورية كانت الثورة تتمتع بعلاقات وطيدة برجالات المجتمع العربي العراقي وغيره سواء على مستوى الافراد او المنظمات او الاحزاب او العشائر، ولقد اعتمدت تلك الحركة التحررية طيلة عقود طويلة من النضال الدؤوب علاقة خلاقة مع الشعب العربي ووضعت تلك العلاقة نصب اعينها لكي تكون بمنأى عن التخديش او الاساءة التي حاول النظام الدكتاتوري السابق التثقيف بها وعليها من اجل تحويل الصراع بينه وبين القوى الديمقراطية الى صراع قومي او مذهبي. ولعله من المفيد ان نتذكر دوما تلك العلاقات المتينة بين عشائر العبيد وشمر والجبور والدليم وغيرها من عشائر العراق الكبيرة وبيوتاته التي كانت تجمع بين قيادة الحركة متمثلة بقائدها الكبير مصطفى البارزاني وشيوخ واعمدة تلك المكونات الاجتماعية طيلة سنوات الثورة وما بعدها والتي ساهمت في كثير من الاوقات في ايقاف اطلاق النار واجراء مفاوضات او مباحثات بين الحكومة والثورة، بل ومنعت اي توجه حكومي انذاك من اجل صراع قومي بين الكرد والعرب وساهمت منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا في افشال كثير من المحاولات الخبيثة لأشعال فتنة عرقية او قومية في مناطق الاختلاط بالموصل وكركوك وديالى رغم ما تعرض له الكرد وغيرهم من حملات ارهابية دموية لتهجيرهم من تلك المدن. وبصرف النظر عن الاختلاف في الرأي او التوجهات حافظت الحركة ومن ثم مؤسسات الاقليم بعد الانتفاضة على علاقات ايجابية ومهمة مع المحيط العربي رغم ما كان يفعله الاعلام الاسود في كثير من الدول العربية على تشويه القضية الكردية وشن حملات معادية لاي توجه جاد من اجل بناء علاقة حميمية بين الاقليم والمحيط العربي، ورغم ذلك استطاعت الدبلوماسية الكردية متمثلة بالرئيس مسعود بارزاني ومؤسسات الاقليم الاخرى من البرلمان والحكومة ومنظمات المجتمع المدني من فتح قنوات مهمة مع كثير من الدول العربية ومنها سوريا ودول الخليج ولبنان وليبيا والاردن ومصر العربية التي تستقبل الرئيس بارزاني بصفته رئيسا لأقليم كردستان العراق. ان نجاح الاقليم ومؤسساته في تنظيم مؤتمر البرلمانيين العرب قبل سنوات واستقباله للامين العام لجامعة الدول العربية وكثير من المسؤولين العرب رفيعي المستوى يدلل على الاهتمام الكبير بالمحيط العربي والاصرار على تمتين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية على عكس ما تذهب اليه بعض وسائل الاعلام المغرضة في ادعاءاتها وتشويهاتها لحقائق الامور هنا في الاقليم. ويعتقد كثير من المراقبين ان جولة الرئيس بارزاني العربية الاخيرة ونجاحه في اقناع المصريين بفتح قنصلية مصرية في العاصمة اربيل* وقبلها النجاح في اقناع الاردنيين بتسيير اول خط جوي بين الاقليم وعمان وبعدها دبي وبيروت والبحرين ومصر، تمثل نجاحا كبيرا للدبلوماسية التي يقودها الرئيس بارزاني باتجاه توطيد اواصر العلاقات التاريخية لكردستان مع اشقائهم في الدول العربية على مستوى الشعوب والحكومات، وربما هيأت هذه الجولة اجواءً مقنعة لعقد مؤتمر القمة العربي القادم في العاصمة اربيل بعد النجاح المشهود الذي تميز به الاقليم في تنظيم كثير من المؤتمرات الاقليمية ومنها مؤتمر البرلمانيين العرب الذي شهدته العاصمة اربيل لما تتمتع به من حسن الادارة والضيافة والسلام والامن الذي يمتاز به الاقليم لا على مستوى العراق فحسب وانما على مستوى المنطقة باسرها. ويبقى ان نقول إن جولة الرئيس بارزاني الاخيرة الاوربية والعربية بصفته رئيسا لأقليم كردستان العراق تمثل تطورا نوعيا في الاداء الدبلوماسي الكردستاني وانفتاحا مهما على المحيط العربي سياسيا واقتصاديا مما سيشجع الكثير من البلدان العربية وغيرها في المنطقة على اعادة النظر في مواقفها من الاقليم ومؤسساته الدستورية والتعامل الايجابي مع الوضع العراقي الجديد والاعتراف بشكله السياسي وخيارات شعوبه ومكوناته.
* قرار الرئيس المصري اثناء زيارة رئيس اقليم كردستان للقاهرة بفتح قنصليتين مصريتين في كل من اربيل والبصرة.
المصدر : الفيحاء
دموع الديمقراطية (علي دنيف حسن
Jul 11th
على صوت بكاء ونحيب متقطع استيقظت من النوم. كان الليل يلف الثكنة العسكرية بسكونه، وثمة جنود يشاركونني النوم، وهم مرتمون بشتى الأوضاع على أسرتهم البالية. قلت لنفسي: ربما تذكر الجندي مجيد قريته وأهله وحبيبته، ففاضت به العبرات، واستولى على روحه الشجن اللذيذ.
سألته لماذا يبكي؟ فقال لي: اسمع، ورفع صوت الراديو الصغير، فانطلق صوت عبد الحليم حافظ:
لو أنِّي أعرفُ أنَّ البَحرَ عميقٌ جِداً ….. ما أبحرت..
لو أنِّي أعرفُ خاتمتي ……… ما كنتُ بَدأت…
إذن، فمجيد يبكي نتيجة خاتمته التي لو تسنى له معرفتها لما بدأ.
قلت له: لقد سمعت هذه الأغنية عشرات المرات، فما الجديد؟ وما هي المشكلة؟ فقال: أنا أبكي لأن خادمة عبد الحليم قد تنكرت له. تصور يا أخي، خادمة تتنكر لمن آواها وأطعمها وعاشت في منزله معززة مكرمة. لو كنت انا عبد الحليم لما احببت تلك المرأة. تصور يا أخي جحود الانسان ونكرانه، وصلافة عينيه.
قال لي ذلك وعينيه تترقرقان بالدموع، وهو يحاول اشعال سيكارة رخيصة بصعوبة في ذلك الليل البهيم.
لم أشأ ان أشرح لمجيد معنى ما يبكي من أجله، فقد تركته ليعيش فهمه الخاص للموضوع، ولم أشأ كذلك ان أؤنبه أو ألومه. قلت له: (هاي سهلة.. عبالي أكو غير شي)، ثم عدت للنوم من جديد.
أنا والكثيرون غيري فهمنا الديمقراطية فهما خاطئا. انتظرناها كأمل، ودافعنا عنها بشراسة كحتمية، وكنا نتصور ان أغلب مشاكلنا، ان لم نقل كلها ستحل مع اشراقتها البهية، وفي ضوئها وآلياتها ستتبدل الكثير من السياقات والتعاملات، وستنتشر الشفافية واحترام حقوق الانسان، وسيوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وبما توفره من حرية رأي وتعبير ستوضع كل أورامنا على طاولة التشريح، فنبرأ منها.
لكن الديمقراطية حالما جاءت خلعت ملابسها المتعارف عليها، وأرتدت ثوبا يتناسب مع ظروف العيش في هذا البلد العجيب. وبدل ان تكون خاتمة تحولت إلى خادمة، لتحقق مآرب المنافقين والمخادعين والمخضرمين في مسح أكتاف الانظمة السياسية والاجتماعية، والمتلونين مع كل ريح وموجة، ثم صارت عروسا يزفها كل هؤلاء، لما تحققه من منافع ومراتب ودرجات لهم ولأبنائهم والمقربين منهم.
المشكلة ليس في هؤلاء طبعا، بل في بعض الكتاب والمنظرين والمحللين السياسيين والستراتيجيين الجدد الذين خدعوا آلاف المساكين وضللوا آلاف البؤساء، وكتبوا قصصا وحكايات ليس لها وجود عن جنات الديمقراطية ونعمها الكثيرة، وكأنهم الجندي مجيد، وهو يستمع إلى رسالة من تحت الماء!
المصدر : الفحياء
الرابع عشر من تموز ونظرية المؤامرة (د. جعفر المظفر
Jul 11th
بشكل أكيد يمكن القول إن تأميم قناة السويس وفشل العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وما حدث في العراق بعده بسنتين, اي في الرابع عشر من تموز من عام 1958 هي أحداث كانت أدت إلى وضع خاتمة حقيقية للهيمنة البريطانية على المنطقة, وسيكون لانتصار الثورة الجزائرية بعد ذلك اليد الطولى لإنهاء بقايا الهيمنة الفرنسية. ولقد اعقب ذلك تسجيل تحولات هامة على صعيد الانتصار لمعسكر التحرر من الهيمنة الاستعمارية العسكرية والاقتصادية المباشرة والمتمثلة بوجود القوات الأجنبية أو القواعد العسكرية أو الاحتكارات الأجنبية. بالنسبة لقراءات تنسجم أو تنبع من نظرية المؤامرة, فإن بعض الباحثين لم يتوانوا عن اعتبار ما حدث في ذلك اليوم العراقي الساخن جزءا من مخطط أمريكي إستراتيجي كان يستهدف إقصاء النفوذ البريطاني الفرنسي عن المنطقة والحلول كبديل له. بها أو بدونها لم يكن من الممكن مطلقا تجاوز أهمية الحدثين, المصري: تأميم القناة, والعراقي: تأسيس الجمهورية, في تقرير حال المنطقة التي بدأت تشهد محاولات أمريكية مختلفة الأشكال للزحف على مناطق النفوذ البريطاني والفرنسي. لكن محاولة وضع الحدثين الحاسمين لكي يكونا في خدمة نظرية المؤامرة لا يمكن أن تتم بعيدا عن حالة الإحباط والتداعي اللتان تولدتا بفعل الانكسارات العربية المتلاحقة والتي لم يكن العقل العربي مهيأ التعامل معها بشكل متوازن ومنطقي سليم. فحينما تأتي الهزائم كثيرة وكبيرة وسريعة وماحقة فإن من الصعوبة بمكان أن يجري التعامل معها بصورة طبيعية, ولأغراض التوازن النفسي غالبا ما تجري عملية البحث عن تفسير خارج محيط الفعل الإرادي, هنا تكون العملية أشبه بمحاولة شخصية لتبرئة الذات. والهزيمة بهذه الطريقة ستكون ليست هزيمة أفكار وإرادات ومناهج كان الشخص جزءا منها أو جزء من عصرها وإنما هي مؤامرة ذكية مرسومة من قبل قوى إستطاعت أن تهيمن على كل تفاصيل الحياة وعلى المناهج والشخصيات بحيث إنها لو لم تكن كذلك لما كان بإمكانها أن تتحقق بهذه النتيجة القاسية . لغرض الاقتراب من الحدث يمكن تبسيطه بصيغة أخرى: لنتصور الآن إن فريقين كانا يلعبان كرة القدم وكان الفريق الأول قد حسم نتيجة الشوط الأول بعشرة أهداف نظيفة وفي منتهى الجمالية والدقة,ذلك سيجعل جماهير هذا الفريق تعيش في ذروة النشوة, وبالنسبة إلى مجموعة كانت قد قامرت على فوز الفريق بأموال طائلة فإن فرحتها حين ذاك سوف تتجاوز حالة الزهو الروحي المجرد إلى ما يتحقق أيضا من مكسب مادي. في الشوط الثاني لنتصور إن تغييرا دراماتيكيا قد حصل على نتيجة الشوط السابق حيث يتمكن الفريق الثاني هذه المرة ليس على معادلة العشرة أهداف التي سجلت ضده وإنما أيضا لتسجيل أهداف أخرى تمكن من خلالها على تسجيل فوزه الساحق. لنتوقع الآن ما الذي سيحدث لأنصار الفريق الأول: إن العامة سوف تصاب بالحزن والأسف, لكن مجموعة منهم سوف لن يكون بإمكانها أن تتعامل مع الموقف بهذا المنحى, لقد باتوا بفعل النشوة العظيمة التي تحققت لهم في الشوط الأول غير مستعدين نفسيا لتبديلها بالحزن المفاجئ الكبير, ولن يكون أمامهم غير البحث عن تفسير سريع ومقنع للهزيمة من خارج دائرة المعقول, فالعقل المصدوم بمطرقة الهزيمة الكبيرة المفاجئة وغير المتوقعة بات لا يقوى على البحث عن أسبابها المركبة وسيكون من مصلحته أن يلجأ إلى تفسيرات بسيطة لا يقوى على التفكير بغيرها وسيكون مهما لأغراض استعادة التوازن العقلي والنفسي أن يؤلف لنفسه قصة مقنعة كأن يعتقد إن شيئا مريبا كان قد حدث بين الشوطين وهو الذي أدى بدوره إلى هذه الهزيمة المرة, كأن تكون قد جرت رشوة المدرب ولاعبي الفريق أثناء فترة الاستراحة ما بين الشوطين. إلى حد ما يمكن تفسير ما حدث للمنطقة العربية ومنها العراق على هذه الشاكلة, ففي الشوط الأول الذي كان قد أمتد من عام 1952 وإلى يوم الخامس من حزيران من عام 1967, استطاعت القوى العربية الوطنية والتقدمية أن تسجل انتصاراتها الرائعة والكثيرة والسريعة, وقد تجسدت الأهداف التي سجلها فريق هذه الحركة في هدف الفريق الإستعماري بانتصارات كبيرة مذهلة كان من بينها التغيير المصري في الثالث والعشرين من يوليو من عام 1952 وما تلاه من تحولات كان أهمها تأميم قناة السويس والانتصار المصري في مواجهة العدوان الثلاثي بعد تأميم القناة الذي كان فاتحة حقيقية لتغيير وجه المنطقة من حيث علاقاتها بدول المعسكرين, الرأسمالي والاشتراكي, ثم تأسيس الجمهورية العراقية وكل ما تلاه من تغييرات جوهرية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية , ثم جاء انتصار الثورة الجزائرية على الإستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر الذي طال لأكثر من قرن ونجاح حركة السلال في اليمن في إنهاء عصر الإمامة ليضيف أهدافا أخرى في مرمى الخصم, بحيث إن العقل العربي بدأ يتعامل نهائيا مع مفهوم النصر كحالة محسومة لصالحه, وساهم الإعلام الخطابي والتهريجي في تحويل حالة النصر كجزء من عصر بطولة لا يمكن مقارعته. في الشوط الثاني لتلك المباريات السياسية التاريخية تنزل قوى المعسكر المضاد لتسجل أهدافا كثيرة كان من شأنها أن تقضي على فرحة الشوط الأول. يحدث الانفصال بين البدين اللذين تأسست منهما الجمهورية العربية المتحدة وهما سوريا ومصر ثم تحدث الفاجعة الكبرى أو ما سمي وقتها بنكسة الخامس من حزيران فتحتل إسرائيل ما تبقى من الأراضي الفلسطينية التي كانت قد احتلتها في عام1948, وقبلها أيضا كان الحلم العراقي قد تمزق وتبعثر حيث جابهت الثورة التموزية بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم أخطار التمزق والاقتتال مما أدى إلى انهيارها ومقتل زعيمها وبدأت الثورة الجزائرية تعاني من صداع الانشقاق والاقتتال الداخلي, وفي اليمن صار هناك اقتتال عربي عربي قطباه مصر والسعودية. إن تلك الانكسارات وغيرها كانت قد حدثت في الشوط الثاني من المباراة, وبينما كان بإمكان العامة من جمهور المباراة أن تحزن قليلا ولفترة وتتأسف للنتيجة فإن البعض من سياسي الكرة كانوا بحاجة إلى تفسير سريع من شأنه أن يعيد معدلات ضغط الدم المتصاعدة بسرعة إلى مستوياتها الطبيعية, وإلا لكان عليها أن تواجه خطر الموت بالسكتة الدماغية. هكذا بدأت نظرية المؤامرة تعثر على أنصارها ولم يعد غريبا أن نسمع إن عبدا لناصر لم يكن سوى عميلا أمريكيا إسرائيليا, وإن ما حدث في الخامس من حزيران لم يكن سوى خطة جرى التفاهم حولها في الكواليس الإستخباراتية الأمريكية بين ناصر والإسرائيليين, وفيما بعد وحينما أرتكب صدام حسين حماقته الكبرى بغزوه للكويت فإن كاتبا عراقيا معروفا لم يتردد عن وضع ذلك الغزو في خانة نظرية المؤامرة حيث أكد على إن الهدف من الغزو كان لأغراض التخلص من الجيش العراقي الضخم, عدة وعديد, وذلك بعد أن توقفت الحرب العراقية الإيرانية وانتهت أخطار التغيير الإيراني ومفهوم تصدير الثورة. وبسبب الانهيار العراقي الكبير الذي جسدته الهزيمة في الكويت وجملة التنازلات المهينة التي أقدم عليها صدام بعد أن كان صور نفسه بصورة بطل الأبطال الذي لا يقهر, فإن عديدين, ومنهم ذلك الكاتب السياسي المقتدر, لم يستطيعوا أن يهضموا الهزيمة الماحقة بغير ترياق نظرية المؤامرة لكي يصبح صدام حسين أيضا وليس عبدا لناصر فقط عميلا للمخابرات المركزية. إن سرعة الهزائم من ناحية وكثرتها وحدتها من ناحية أخرى كانا قد أسسا لنجاح ثقافة المؤامرة التي تبناها العديدون على تناقض توجهاتهم السياسية, وبسبب هذه الثقافة وعلى يد هؤلاء لم يكن غريبا أن يوضع الرابع عشر من تموز في خانة تلك الثقافة ويجري التشكيك بقائدها عبد الكريم قاسم.
المصدر : الفيحاء
السياسي ..المثلّث! (د.قاسم حسين صالح
Jul 11th
في أحدث تصنيف للشخصية،يقسّم الناس على وفق (نظام الأشكال الهندسية النفسية) بين: مربّع،مستطيل،دائرة،مثلّث،ومتعرج لكل واحد منها صفات يساعد فهمك لها بثلاثة أمور: معرفة نفسك بشكل أفضل،ومعرفة الآخرين الذين تتعامل معهم،ومعرفة لماذا أننا جميعا مختلفون!.
والتصنيف هذا ليس لهوا او اعتباطا بل نتائج دراسة علمية شملت مائة ألف شخص على مدار 12 عاما. فمن سمات الشخص من نمط الدائرة ،أنه: ودود،مهتم بغيره،كريم،..لكنه: مكتئب، مناور،لائم لذاته. ومن صفات الشخص من نمط المربّع :تحليلي،يسعى للكمال،صبور..لكنه: متصيد للأخطاء، موسوس، كثير الشكوى..فيما الشخص من نمط المستطيل: محب للمعرفة، شجاع، مثير..لكنه:ساذج، غير صادق،لا يمكن التنبؤ بأفعاله.واذا كنت من نمط المتعرّج فهذا يعني أنك:مبدع،متطلع للمستقبل،بارع في التعبير..غير أنك: متعصب،غير واقعي،لا يمكن كبح جماحك.
والمدهش أن لكل صنف وظائف نموذجية يبدع فيها..فالمتعرّج يصلح لأن يكون موسيقارا،أستاذا جامعيا..والدائرة يصلح لأعمال السكرتارية والتدريب والوعظ..والمستطيل يصلح لأن يكون رجل أعمال..والمربع يبدع في أعمال المحاسبة وبرمجة الكومبيوتر.
والذي لفت انتباهي أن (السياسي) يكون من نمط المثلّث،اذ هو الوحيد بين الأنماط الخمسة الذي يجسّد القيادة ومن صفاته الايجابية:طموح،حاسم،منافس،يهتم بالنتائج النهائية،قوي ونشط..لكنه:مفرط الاهتمام بذاته،متمسك برأيه وان لم توجد بيّنة،نفعي،ومندفع.
وتشير الدراسة أن السياسي، نمط المثلث يرى أنه “محق” على الدوام ،ويحتاج الى أن يراه الآخرون على أنه ألمعي وقائد ماهر. والأشخاص السياسيون “المثلثات” تسيطر عليهم الحاجة الى السيطرة والتحكّم،وأنهم يحبون اتخاذ القرارات دائما سواء لأنفسهم أم للآخرين،وهم أفضل المناورين السياسيين براعة ودهاء من الأشكال الخمسة،ويهدفون الى الوصول لقمّة الهرم السياسي،حتى لو اضطروا لأن يطأوا الآخرين.
ولقد حددت الدراسة أبرز سلبيات الشخص من نمط المثلّث بالآتي:
* يريد أن يكون في موضع الصدارة في جميع الأوقات
* عدم القدرة على الاعتراف بالاخطاء
* الاندفاع والتهور في اتخاذ القرارات
* نوبات غضب عصبية
* سلوك قهري: قد يدخّن بشراهة، أو يفرط في السهر
* الغياب عن الانشطة الأسرية، أو التشتت عنها في حالة الحضور.
* عدم القدرة على التعبير عن المحبة والمودّة والرقّة علانية (يريد أن يظهر بصورة الشخص الواثق بذاته والمكتفي بها).
* المناورة والخداع والكذب حيثما يكون مطلوبا” لفرض السيطرة على الأمور
* يصعب ارضاؤه حين يكون واقعا” تحت ضغط نفسي
* عندما تقسو عليه الاحداث وتتعقد الأمور، يصبح هو أكثر قسوة وصرامة.
طبقوها على السياسيين العراقيين.. ترى كم منها متوافرة فيهم؟
لكننا ،نحن السيكولوجيين، نعتقد بأمكانية تخليص الفرد من سلبياته أو التخفيف من حدتها. وللسياسيين نقول: اننا نمتلك القدرة على “تنظيف” السياسي القائد من صفاته السلبية، وتمكينه من تحقيق المزيد من مهارة اقناع الناس والوصول الى القمة بسلاسة.. ولكن لقاء “ صفقة! “ بيننا وبينه، تتضمن شرطا” واحدا” هو: الا يكون هواه عربيا” أو كرديا” أو شيعيا” أو سنيا”.. بل أن يكون عراقي الهوى والقرار!.. مع ضمان حياتنا ان لم ننجح!!
الصراع على البصرة: ما أشبه اليوم بالبارحة (كريم عبد
Jul 11th
البداية أثبت الإيرانيون انهم بحارة فاشلون .. وقد أظهروا عجزاً ملحوظاً في إدارة شؤون الأسطول .. لقد استخدم الإيرانيون عرب الخليج بحارة لأسطولهم. أما قيادته فقد أسندت في أول الأمر إلى ضباط إيرانيين عاجزين ..
ثم أُسندت لبعض الضباط العرب .. ومن الجدير أن نذكر هنا أن عرب الخليج ملاحون ماهرون بفطرتهم، وأن خبرتهم في البحر تضاهي خبرة أحسن الأمم في ذلك. ولم يستفد الإيرانيون كثيراً من استخدام العرب، الذين لم يشعروا بالولاء والأخلاص لهم .. ومن المدهش حقاً إن مشاريع نادر شاه البحرية وتهديده المستمر للبصرة لم تحرك همم باشوات بغداد .. كما أن وفاته لم تثر فيهم روح الطموح لملء الفراغ الذي تركه في المنطقة، لقد ترك باشوات بغداد هذه الفرصة تفلت من أيديهم واستفاد منها آخرون فكانت العواقب وخيمة ..)
بعد رحيل نادر شاه سطع نجم القبائل العربية وأساطيلها التي كانت سيدة الموقف في بعض الأحيان، لكن الكارثة أن هذه القبائل لم تبد نزعة توحدية والعمل على تكوين دولة مقابل الأطماع الإيرانية والأساطيل الأجنبية، بل عاشت فترات من الصراعات العربية – العربية أضعفتها جميعاً رغم سطوع شخصيات مهمة أبدت ذكاءً ملحوظاً في تكوين أساطيلها الخاصة ولم شمل قبيلتها كالشيخ سلمان سيد قبيلة كعب البصرية وقائد أسطولها ولكن دون رؤية سياسية راجحة ما جعل دور القبيلة ككل يضمحل بالتدريج ..
لقد ظل حكام إيران على نزعتهم العدوانية، ناظرين إلى البصرة والخليج العربي عموماً بصفته فريسة دائمة ينهشونها كلما استطاعوا (فبينما كانت البصرة لا تزال تئن من جروحها السابقة راجت الإشاعات عن عزم كريم خان على غزوها. وكان كريم خان سيد إيران المطلق .. ولم يحاول إعادة تجربة نادر شاه في بناء أسطول إيراني، ولكنه حاول الاستعانة بالأساطيل العربية السابقة لتحقيق أغراضه وأطماعه في الخليج .. ولم تكن علاقة كريم خان بكل من الأنكليز وباشا بغداد على ما يرام، وكان لهذا صلة مباشرة بقراره غزو البصرة ..
فقد كان ينظر إلى ازدهار تجارة البصرة بعين الغيرة. ورغب أن يكون هذا الازدهار من نصيب الموانىء الإيرانية على الخليج.. فما لبثت أن وردت الأنباء إلى البصرة مؤكدةً وصول مقدمة الجيش المذكور إلى السويب. وكان قوام الجيش الزاحف ثلاثين ألف رجل بقيادة صادق خان، وعسكرَ الجيش الإيراني لفترة في السويب ورابطت أمامه على الجانب الغربي من شط العرب قبائل المنتفق بقيادة رئيسها عبد الله السعدون، وذلك للحيلولة دون عبور النهر .. ولما كانت القوات البرية المدافعة عن البصرة غير كافية لمواجهة الجيش الايراني الزاحف فقد قرر المتسلم الاحتماء بأسوار المدينة، كما قرر الاستعانة بالسفن الراسية في الميناء ..
وفي 19 آذار (مارس) استطاع الجيش الايراني عبور النهر إلى الضفة الغربية، أما الشيخ عبد الله السعدون فقد ترك مواقعه وانسحب ..) وبالاضافة لطرفي الصراع اشتركت العديد من الاطراف الاقليمية والدولية في هذه المعركة لكن جميع العوامل صبت لمصلحة المحتل الايراني، ورغم ما حدث (لم يستسلم البصريون لأعدائهم بسهولة واستمرت المقاومة مدة أطول كثيراً مما توقعها الإيرانيون ..) إن قراءة هذا الكتاب تبدو ضرورية هذه الأيام كي نرى فعلاً، كيف يعيد التاريخ نفسه مرةً على هيئة مأساة وأخرى على هيئة مهزلة !!
المصدر : جريدة الصباح
عمّاتهم وعمّاتنا (علي شايع
Jul 11th
يقول خبر طريف : ان عمة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الكينية (زيتونة أونيانجو) تمثل أمام المحكمة كمهاجرة غير شرعية، لثبوت خرقها القانون الأميركي.
أوباما يتواصل مع هذه المرأة منذ حملته الانتخابية، بعد كشف جهات مناوئة حكاية العمة المتسللة، وتبين أن أوباما لا يعلم عن القضية أي شيء، لكنه متواصل مع العمّة من جهة العلاقة العائلية، واستضافها لديه على رهن محاكمة أيّدها، وأعلن أمام الصحفيين غير مرّة بأن القانون يسري على الجميع دون أي تمييز.
واستمتع أوباما وعائلته بحكايات العمة(زيتونة) وهي تسرد له تاريخ عائلة كبيرة؛ دعماً لتأليف كتابه (أحلام من والدي)، والذي دون فيه الجزء الأهم من حكاية والده (راعي الأغنام).
لا تهمنا حكاية راعي الأغنام الذي أنجب أبنا يحكم الآن أقوى دولة في العالم، ولا أحلام والده في (حكم الأرض) عبر سلالة أفريقية، فهذا حلم ربما يبدو بدائيا ينحاز كثيراً إلى غريزة السيطرة، والرغبة الأزلية بالسطوع وبلوغ غايات مجد النفوذ. فمثل هذه الأحلام بالطبع لا تسكن في نفس رئيس انتخبه شعب يقدر تعداده ب (300 مليون )، أكمله إلى هذا العدد، قبل أيام، طفل من أصول لاتينية.والطريف إن من أكمل رقم 200 مليون سنة 1969كان من اصل صيني ويعمل الآن محاميا.
أقول إن هذا ليس مصادفة فشعب حافل بالتنوع ينجب من يحكم، ولا غرابة من أي الجهات يكون أصله. ولا غرابة أن نسمع سعي عمّة الرئيس للحصول على أوراق وتعرّضها إلى المحاكمة،دون أية محاولة من الرئيس نفسه (للواسطة). وبالطبع سيسخر أكثرنا من هذا الموقف، فثقافة التوسّط والعبور على القانون ناجزة لدينا، ولها من ينظّر لها، حتى كنّا نسمع قولهم: “الشجرة التي لا تستظل بها أطرافها لا خير فيها”. لذا وصل حالنا إلى ما نحن عليه، من خلال تلك النظرة الضيقة في أفق الانتماء إلى أطراف الشجرة، حتى أصبح هو أول، والانتماء إلى الوطن بأسره في المحل الثاني؛ الهامشي في الغالب،والباقي في الشعارات الرنانة الفارغة الكاذبة. وبقي الميل إلى العشيرة والطائفة والعرق هو المتكأ والمُستظل الأول والأخير.
عمّة أوباما (زيتونة) لا تشبّه عمّاتنا المتنفذات، وكلمة العم هنا يعرفها المقربون من أصحاب النفوذ، فالعم هو الشخص الأول، الأكبر، صاحب السلطة في مكان عمله، فهو عمّهم في ثكنة الجيش،أو في الوزارة أو أي منصب فاعل، وهي عمّتهم أيضا مادامت متنفذة، تحت ظلّ رجل يريد لهذا الظل نفوذاً مستحكماً في المجتمع، لذا فهي تتحكّم وتسيّطر وتصدر أوامر يوقعها (الزوج) بطواعية الآمل بنفوذ زوجة متحركة بعيداً عن مشاغل المطبخ، فمطبخها الآن شاسع والعاملون تحت نفوذها ينظرون إليها كحاكمة قادرة.
المصدر : جريدة الصباح
ماذا يبقى..؟ (عبدالرضا الجاسم
Jul 11th
قد يرى بعض المصابين بداء الجدل أن المؤرخين لم يكونوا موفقين جدا حين ربطوا تسمية هذه الأرض بالنهرين؛ دجلة والفرات، وجعلوا منهما عنوانا لهذه البقعة
متطاولين على بعض حقائق الطبيعة؛ فالنهران العظيمان ليسا أكثر من ذراعين نستجدي بهما الماء من دول الجوار، وكل ذلك الزهو التاريخي يمكن أن يسلبه قرار من دولة مجاورة، هكذا ببساطة، بإنشاء سدود، أو قطع روافد، أو حتى تحويل مجراهما، لتبقينا بلا عنوان؛ وجودا مبهما، أو اسما مستقيلا من التصاقه بالمسمى، ويوشك أن يستقيل من وجوده الحي ّ برمته؛ فأي شيء بعد العطش إلا ّ الموت البطيء لأرض الخطوات الأولى، والحرف الأول، وشعب أثخن الأرض بالحضارات، وعلم الإنسان كيف يرسم أفكاره حروفا تراها العين وتلمسها اليد، كل هذا الوجود الممتلئ تستطيع دول الجوار أن تجلده بسياط العطش حتى الجفاف؛ عطش الإنسان والأرض، ومن هنا كانت براعة التسمية، فالنهران ليسا عنوانا لأعرق بلدان الأرض، بل هما سبب لوجوده أصلا، فالأيدي التي تعبث بهما إنما تعبث بوجودنا، والسكوت عن ذلك لا يسوغه ظرف سياسي؛ فإن حرب المياه ليست بريئة من اشتغالات السياسة وأهدافها، فليس حلا أن نقف بلا حراك بانتظار أن ترتخي الأصابع المطبقة على رقابنا، ولا معنى لانشغالنا بتجاذبات العملية السياسية، أو حتى أي صراع آخر، فأي نجاح يمكن انتظاره إذا كان وجودنا نفسه مهددا؟ إذ يوشك الآخرون أن يغيروا وقائع الأرض لصالح حياتهم على حساب حياتنا، باستضعاف مستفزّ لما نمرّ به من ظروف استثنائية ينبغي الاعتراف بأننا السبب في أكثرها، وقد يكون مفيدا أن نلتفت إلى موقف مصر بشأن حصتها في مياه النيل، وكيف رفعت مستوى الموقف إلى درجة (أن تكون أو لا تكون )، وإذا لم يكن بين أيدينا من أسباب القوة ما تمتلكه مصر، فإن أحدا لم يقل إن القوة العسكرية هي أول الحلول، فأمامنا مساحة كبيرة للحركة، ولا شك أن الخطوة الأولى هي الإدراك التام لخطورة الوضع، وأنه مسألة حياة أو موت، حتى لا تتوزع اهتمامنا ظروف مرحلية على حساب وجودنا برمته، فإن التناقص المضطرد لحصة العراق من مياه دجلة والفرات، والسدود والمشاريع العملاقة في تركيا لضمان بقاء أكبر كمية من المياه في أرضها، وقطع المياه من قبل إيران، والأخبار التي تتحدث عن مشروع سوري لتحويل مجرى دجلة إلى أراضيها، كل ذلك ينذر بنتائج كارثية لا يمكن التعايش حتى مع فكرة حدوثها، والركون إلى وعود هذه الدول يوحي لها برسائل خاطئة، أولها ضعفنا في الدفاع عن حقوقنا، وأن لها الحق في التصرف بمياه النهرين كما تشاء، في حين أن هناك مواثيق وأعرافا دولية تنظم تصرفات الدول المتشاطئة وضمان حصة الجميع من المياه بشكل عادل ومحكوم بحاجة كل دولة لضمان بقائها، لذلك علينا اللجوء إلى المنظمات والهيئات الدولية بجميع أشكالها ، السياسية والقانونية والاقتصادية، والاستعانة تحديدا بالاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لما تملكانه من ثقل كبير في الميزان الدولي.
المصدر : جريدة الصباح
من يحكم المدينة العربية؟ (د. محمد الدعمي
Jul 11th
ليس ثمة شك في ان بغداد قد بنيت لتكون مدينة، بل وعاصمة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، كما أرادها الخليفة المنصور العباسي؛ وتنطبق ذات الحال على القاهرة كما أرادها الخلفاء الفاطميون.
بغداد مدينة والقاهرة مدينة، ولكن الكوفة والبصرة (الإبلة في الأصل) لم تكن مدناً بالمعنى الحقيقي للكلمة ذلك ان عدداً كبيراً من المدن العربية العريقة بنيت كمعسكرات. هذه الحال تنطبق على الكوفة والبصرة، بكل تأكيد، وهي تنطبق كذلك على سامراء (سُرّ من رأى)، إذ يتحول المعسكر إلى نواة للمدينة كي تتضخم وتتوسع حتى تدخل إليها الأسواق والحواري والأحياء، ثم لتتبع ذلك موجات الهجرات من الريف إلى المدينة كي تختلط الدماء كما تختلط الثقافات والعادات والتقاليد.من هنا يتوجب علينا أن نناقش موضوعاً مهماً سبق أن طرح من قبل اذكى العقول العربية المعاصرة؛ وهو موضوع مفتوح للجميع ممن يودون المساهمة في أنشطة تبادل الرأي حوله، الموضوع، باختصار هو: لماذا لا نملك في العالم العربي مدناً أو حواضر بالمعنى الدقيق للفظين، أي مدناً مثل لندن أو نيويورك حيث يشعر المرء انه في ظل حضارة مدنية بالمعنى الصحيح؟ ثمة شعور بالإنغمار في أجواء المدينة يعتريك وأنت تتمشى بين أنواع مختلفة من المارة في شوارع مونامارتر أو في سوهو: هل تكتسب المدينة صفتها “المدينية” من سكانها، أم مما يحملوه في دواخلهم من أخلاقيات وقيم إجتماعية؟ وهل هذا قد تحقق في أية مدينة عربية سابقاً كي ندّعي بأن لنا مدناً يمكن أن تقارن بالمدن الأوروبية أو الأميركية؟ بلى، حاولت بيروت ما قبل 1973 أن تبلور صورة لمدينة عربية، شرق أوسطية يمكن أن تقارن شوارعها (الحمرا خاصة) بشوارع ومقاهي مدن أوروبية جميلة.
هذا سؤال يستدعي الكثير من المناقشات والجدل الذي يمكن أن يقودنا، من منظور أول، إلى نظرية الفيلسوف الإجتماعي العراقي، علي الوردي، الذي لاحظ “إزدواجية الشخصية العراقية”، بمعنى الشرخ المؤلم الذي تعانيه وتئن تحت وطأته بين الإنتماء للمدينة من ناحية، وبين الولاء لقيم البداوة من الناحية الثانية. أهمية هذه النظرية الوردية، برأيي، لا تنطلق من رصد الشخصية المدينية العراقية فقط، إذ أن الإزدواج لا يتحدد بابن بغداد أو الموصل فقط، لأنه ينطبق كذلك على أبناء دمشق وعمّان والقاهرة وبيروت من بين سواها من المدن العربية التي لم تفلح الحياة في دواخلها من تنقية الإنسان المديني العربي من قيم البداوة المختفية في أعماق أعماقها. إن الأدلة على ما نذهب اليه اليوم من توسيع وتعميم لنظرية الوردي على جميع دول الشرق الأوسط تأخذ مدياتها كاملة في حنو الإنسان المديني في أغلب المدن العربية لأخلاقيات الصحراء، وتسييده لها بدلاً من تسييد قيم الحاضرة والمدينة. هذه القيم الصحراوية الجرداء تتجسد، ليس فقط في الإعتزاز والتباهي الذي يعكسه الإنسان المديني العربي بانتسابه للصحراء؛ بل كذلك في الإهتمام الذي يخص به سكان المدن العربية الألقاب العشائرية والقبلية، وهي من بقايا سيادة روح القبيلة في البادية وعصبياتها، الأمر الذي يدل، كما أرى، أن البادية هي التي تحكم المدينة في العالم العربي، ولذا كانت قيم الثأر والإنتقام وغسل العار والإستخدام القسري المهين للمرأة كـ”ديّة” أو كأداة لتصفية النزاعات القبلية ولتسوية الخلافات العشائرية والعائلية!
لاحظ، في هذا السياق، دموية طرائق تسوية الحسابات في المدن العربية،
ولاحظ كذلك رفع الكلفة مع القانون وأدوات تنفيذه كالشرطة والجيش والدرك. الإنسان المديني العربي يفضل تصفية حساباته بنفسه لأنه لم يزل يشعر بحماية الجار وابن العم، وهي الأهم من حماية القانون والجيش والشرطة بالنسبة له: لا داعي للارتجاع إلى عدد كبير من الأحداث الدموية التي عصفت بمدن عربية بسبب تفضيل الإنسان العربي، بغض النظر عن دينه أو ولائه المذهبي، أدواته الخاصة لتصفية الحسابات. هذه عدالة البادية المستوحاة من خلو البادية من السلطة المركزية.
إذا كانت هذه هي الآفاق الواسعة التي قد يقودنا إليها عقل الوردي الذكي (لاحظ تعدد الدهاليز والمنعطفات الفكرية الثرة التي يمكن أن تظهر تترى)، فان علينا أن نرد معضلة هيمنة القرية أو سيادتها على المدينة العربية إلى أصل آخر، وهو: أن الغالبية العظمى من المدن العربية إنما كانت قرى لم تلبث وأن تضخمت على حساب جوارها الريفي لتضم الريفيين وقيمهم إلى دواخلها، كي تخرج من ناحية ثانية “قرية متوسعة”، قرية يفضل سكانها تربية الخيول والأبقار والنعاج على التعامل مع السيارة ووسائل النقل العام، من الطائرة إلى القاطرة والترمواي، بينما يستبدلون الديوانيات بالمقاهي والعابها.
أعتقد ان علينا جميعاً ونحن نقود سياراتنا في شوارع مدن زاهرة كمسقط أو دبي أو الرياض، أقول علينا أن نعيد تقييم الذات، ليس فقط في قوة وسيادة قيم القرية وأنماطها السلوكية (وهي قيم وأنماط طالما تبخترنا بالمحافظة عليها تحت عناوين من نوع “نظرية التراث”!). هي أنماط سلوكية يمكن أن يحسدنا عليها أهل البادية بسبب تفوقها على أنماط السلوك البدوي في القفار حيث الأرض اليباب التي لا تتيح لساكنها شيئاً قط سوى الإستذكارات والتأمل والشعر المتناغم مع ذبذبة حركة الجمل.
هذه أسئلة تقودنا كذلك إلى سؤال أكثر أهمية، وهو: هل المدينة العربية تحكم نفسها بنفسها؛ أم أن القرية أو البادية هي التي تحكمها؟ هل أن الأنظمة السائدة في هذه المدن يقودها “مدنيون” بالمعنى الصحيح للكلمة، من نواحي القيم المستنيرة في دواخلهم ومن نواحي آفاقهم الفكرية والثقافية، أم أن اغلب هؤلاء يحتفظون بقيم لا مدنية، بل قروية غير قادرة على تحمل التوسع المدني أو المديني الذي يطرأ على العقليات قبل أن يتجسد في بناء الجامعات الكبيرة والأبراج العالية، من بين سواها من مشتملات المدن الغربية، كالمراقص والنوادي الليلية وكظواهر الإختلاط في جميع نواحي الحياة؟ هي أسئلة تستحق التأمل والإرتدادات الفكرية الذكية.
المصدر : جريدة الصباح


