المحاكمة الغيابية وضمانات المتهم الهارب (القاضي ناصر عمران الموسوي

مايو 19, 2012 No Comments

يعرف مصطلح القانون الجنائي بأنه :مجموعة القواعد التي تبين انماط السلوك التي تٌعد جرائم والعقوبات المقررة على مرتكبيها ، والإجراءات والتي يجب اتباعها للتحري عن الجرائم والتحقيق فيها ومحاكمة مرتكبيها والحكم عليهم وتنفيذ الحكم فيهم وبيان السلطات التي تكفل تنفيذ تلك الاجراءات ،كما يرى الاستاذ عبد الامير العكيلي في كتابه (اصول الاجراءات الجنائية في قانون اصول المحاكمات الجزائية ) وهذه القواعد على نوعين : موضوعية وشكلية فالموضوعية تختص بتحديد الجرائم والعقوبات والتي تضمنها قانون العقوبات( العام والخاص )حيث تعتمد على مبدأ (المشروعية ) لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وفق ما تضمنته الدساتير والقوانين السابقة والتي اكدها الدستور العراقي الحالي في المادة (19 /ثانيا ً ) والتي تنص (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ،ولا عقوبة
إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة ، ولا
يجوز تطبيق عقوبة اشد من
العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة ) و  ان تطبيق هذه الجرائم يتم عبر اجراءات قانونية تتسم بطابعها الشكلي وهي القواعد الشكلية التي تختص بتحديد الاجراءات الواجب اتخاذها لتطبيق المادة القانونية الموضوعية الواردة في النص القانوني والمنطبقة على الفعل وتحديد السلطات التي تتولى ذلك وهذه الاجراءات يتضمنها قانون اصول المحاكمات الجزائية ،والقواعد التي يتضمنها قانون اصول المحاكمات الجزائية تعتبر من النظام العام التي لا يجوز مخالفتها و تعديلها او الاتفاق على مخالفتها  و التنازل عنها وكل ذلك وفق القانون ،وهذه القواعد تسري على الجميع في الدولة ولا يُستثنى منها احد إلا بموجب قوانين داخلية او دولية تحدد ذلك .
ان اهمية قانون اصول الجزائية تكمن في تحقيق حقين متعارضين والتوفيق بينهما وهما (حق المجتمع) وتحقيق الردع العام عبر تطبيق العقوبة المناسبة للفعل الجرمي المرتكب مما يحقق الاستقرار والأمن المجتمعي ويكافح  الجريمة كظاهرة اجتماعية وقانونية خطيرة
من جهة ومن جهة اخرى (حق المتهم )الذي يطالب بضمان مصلحته وإعطائه الفرصة المناسبة للدفاع عن نفسه واثبات براءته ، حيث نص الدستور العراقي الحالي وفي المادة (19 /خامسا ً )   بأن (المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية عادلة ….)  وان القواعد الاجرائية القانونية التي تتم فيها محاكمة المتهم هي القواعد  التي تعمل بجانب توافقي بينهما ،بحيث انها تتخذ الاجراءات القانونية الصحيحة  فالبطء في الاجراءات قد يؤدي الى فقدان الحقيقة كما ان السرعة قد ترافقها استعمال للقسوة والعنف وبقاء المتهم رهن التوقيف والملاحقة ولخطورة هذه الاجراءات فقد اعتبرت القواعد الخاصة بقانون اصول المحاكمات الجزائية مقياساً يوفق بين حرية وحقوق الفرد وحقوق وراحة وامن المجتمع، وهناك مراحل تمر فيها الدعوى الجزائية التي لم يعرفها قانون اصول المحاكمات الجزائية وإنما نص في المادة الاولى من القانون على كيفية تحريك الدعوى الجزائية والجهات التي تقدم لها الدعوى ، وبالرجوع الى المبادئ العام فقد عرف قانون المرافعات المدنية  رقم 83 لسنة 1969 العدل في المادة (2) الدعوى بأنه طلب شخص  حقه من آخر امام القضاء والدعوى الجزائية تمر بمراحل تبتدئ بمرحلة تحريك الشكوى والإجراءات التحقيقية امام محكمة التحقيق  وصولا ً الى  انتهاء التحقيق  وقرارات قاضي التحقيق عند انتهاء التحقيق  التي نصت عليها المادة (130) الاصولية، ويعتبر قرار الاحالة مرحلة مفصلية مهمة يتم فيها نقل الدعوى من مراحل التحقيق الاولي الى مرحلة التحقيق القضائي والمحاكمة  ويحال فيها المتهم بحسب ما تؤول اليه الاوراق التحقيقية مكفولاً بمعنى ان القاضي اطلق سراحه بكفالة شخص ضامن وبمبلغ معين وان المادة القانونية اباحت جوازا قانونيا باطلاق سراحه بكفالة حسب المواد(110 ،111 ) او موقوفاً ومعناه ان المتهم لم يطلق سراحه كون المادة القانونية الموقوف بموجبها لا تجيز اطلاق سراحه بكفالة حتى صدور قرار فاصل من  المحكمة المختصة وحسب نص المادة (109 /ب ) الاصولية او غيابيا ًبمعنى عدم حضور او القاء القبض
على المتهم او القي القبض عليه وتمكن من الفرار وهي الحالات التي تم ذكرها في المادة (135) الاصولية.

شاهد قنوات العراقية عبر الانترنت

استمع الى القرآن الكريم

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

احالة المتهم غيابياً

اجازت المادة (135) من قانون اصول المحاكمات الجزائية احالة المتهم الهارب من قبل قاضي التحقيق على المحكمة المختصة  في حالات وهي :
اذا كانت الادلة تكفي لمحاكمته ، فتتم احالة المتهم لإجراء محاكمته غيابيا :
1_اذا لم يحضر امام قاضي التحقيق او المحقق او لم تتمكن السلطات المختصة من القبض عليه ،على الرغم من استنفاد جميع طرق الاجبار على الحضور الاخرى والتي اوردتها المادة (121 ) الاصولية وفي الفصل الرابع وتحت عنوان (حجز اموال المتهم الهارب ) والتي تضمنت حجز اموال المتهم الهارب ونشر بيان بذلك في وسائل النشر ومطالبته بتسليم نفسه خلال فترة زمنية معينة للقضاء،
2_ حالة هروب المتهم بعد القاء القبض عليه او ان امرا ً صدر بتوقيفه إلا انه تمكن من الفرار بعد ذلك ، فيتم احالة المتهم غيابياً لإجراء محاكمته امام المحكمة المختصة .

اجراءات المحاكمة الغيابية

عند انتهاء التحقيق ووجد قاضي التحقيق كما ذكرنا ،بان هناك ادلة تكفي لاحالة المتهم على المحكمة المختصة وان المحكمة استنفدت الطرق القانونية في القبض على المتهم الهارب واجباره على تسليم نفسه فيقرر قاضي التحقيق احالته لاجراء محاكمته غيابيا ً.
وعند ورود الدعوى الجزائية الى المحكمة المختصة فان عليها ان تجري المحاكمة بحق المتهم الهارب بذات القواعد المتخذة بحق المتهم   الحاضرحيث تتخذ اجراءات التبليغ بحسب ما اشارت اليه  المادة (143)  من القانون المذكور حيث اشارت الفقرة (أ)
الى تحديد موعد المحاكمة عند ورود الاوراق التحقيقية الى المحكمة من قاضي التحقيق وتكون مدة تبليغ المتهم قبل يوم واحد
في المخالفات وثلاثة ايام في
الجنح وثمانية ايام في الجنايات  واكدت المادة على تبليغ المتهم بالذات وقد اعتبرت المادة (147/ب) تبليغ المتهم وجوبيا
ولا تجرى محاكمته الا بتبليغه  بالذات ،وتطرقت الفقرة (ج) الى تبليغ المتهم الهارب  والاجراءات الواجب اتخاذها من قبل القائم بالتحقيق حيث نصت على (اذا تبين بنتيجة التبليغ ان المتهم هارب تعلق ورقة التكليف بالحضور او امر القبض في محل اقامته ان كان معلوما وتنشر في صحيفتين محليتين وتذاع في الاذاعة والتلفزيون في الجنايات والجنح الهامة حسبما تقرره المحكمة ،ويحدد موعد لمحاكمته لا تقل مدته عن شهر في المخالفات والجنح وشهرين في الجنايات من تاريخ آخر نشر في الصحف )
وقد اضيفت الفقرة (د) الى المادة (143) بموجب التعديل القانوني رقم 30 لسنة2001 والتي نصت (استثناء من حكم الفقرة (ج) من هذه المادة ،اذا تبين بنتجة التبليغ ان المتهم بجريمة عقوبتها الاعدام ،هارب فيوضع امر القبض الصادرعليه لمدة ستة اشهر في محل اقامته ان كان معلوما وفي لوحة اعلانات كل من المحكمة التي اصدرته ومركز الشرطة الذي يتولى التحقيق في القضية ،وتقرر المحكمة المختصة منع سفره وحجز امواله المنقولة وغير المنقولة ،وتدعوه الى تقديم نفسه اليها اوالى اي مركز شرطة وتحدد موعدا لمحاكمته يلي اكمال الاجراءات المتقدمة بمدة لا تقل عن شهرين ،وتشعر الجهات ذات العلاقة بذلك ) كما اشارت المادة (148) الاصولية انه في حالة تعدد المتهمون وكان بينهم هارب او غائب فتجرى محاكمة الحاضرين وجاها ومحاكمة الاخرين غيابا او تفرق دعوى الحاضرين عن الغائبين وحددت المادة (149) من القانون القواعد التي تجرى فيها محاكمة المتهم الغائب والهارب بذات القواعد التي يحاكم فيها المتهم الحاضروهذه الاجراءات القانونية تتمثل بالاستماع الى اقوال المشتكي والاستماع الى شهادات شهود الاثبات وطلبات الادعاء العام والمدعي المدني وسماع دفاع وكيل المتهم واذا لم يكن للمتهم وكيلا ً انتدبت له المحكمة و كيلا ًعنه ، علما ان  النظام الدكتاتوري السابق في  الكثير من القوانين الاستثنائي التي اصدرها منعت الدفاع عن المتهم الهارب في المحاكمة الغيابية.
وتوكيل محام عن المتهم الهارب او الغائب في المحاكمة الغيابية هو احد اهم الضمانات المتعلقة بالمتهم حيث يطلع وكيل المتهم الهارب او الغائب على الاجراءات القانونية للمحاكمة  ويقدم كافة الطلبات التي يراها في مصلحة موكله وهي الاجراءات التي يجدها القانون متسقة مع روح العدالة بعد ان قرر المتهم الهروب او الغياب عن مواجهة التهم المسنده اليه والدفاع عن نفسه امام المحكمة المختصة ،والحقيقة ان هناك ضمانة  للمتهم بصورة عامة ومنها المتهم الهارب والغائب تتمثل بنص الدستور وهي استقلالية السلطة القضائية بالاستناد الى مبدأ الفصل بين السلطات الذي نصت عليه المادة (47 ) من الدستور واستقلالية السلطة القضائية حسب نص المادة (87) منه ،واستقلال القضاة وهو المبدأ الاكثر اهمية حيث لا سلطان على القضاة في قضائهم الا للقانون ولا يجوز لاي سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة والذي نصت عليه المادة (88) الدستورية ،وان القرارات الصادرة من المحاكم المختصة تحفل بالكثير من قرارات الافراج والبراءة للمتهم الهارب او الغائب  بحسب قناعة المحكمة وسلطة القاضي التقديرية بقيمة الادلة والاثباتات المعروضة والتي تضمنتها الاضبارة الجزائية للدعوى ومدى اهليتها لادانة المتهم  وفرض العقوبة عليه او عدمها وبالتالي الافراج عنه ،ان المحاكمة الغيابية تظل محورا ً مهما ً لصورة قضائية تجسد المفهوم الواقعي للعدالة وفق منظورقضائي ديدنه البحث عن الحقيقة لانصاف المظلومين   واعطاء كل ذي حق حقه  وتحقيق الامن المجتمعي ومكافحة الجريمة والذي يشكل الغاية الاهم في عمل القضاء الجنائي.

Tags: مقالات

ما هو رايك حول المقال؟

(مطلوب)

(مطلوب)


*

منهج عاشوراء نجاتنا ( حيدر حسين الاسدي

شيئاً فشيئاً تقترب الطف من ساعات الحسم، تلك المعركة التي كانت ليست متكافئة في الجانب المادي، استطاعت ان تقلب...

مجلس الوزراء – اللجنة المركزية لتعويض المتضررين – إطلاق وجبة تعويضات جديدة تشمل اكثر من 2000 متضرر من ضحايا الإرهاب في محافظة بغداد قريبا بتأريخ 2-11-2014‎

إطلاق وجبة تعويضات جديدة تشمل اكثر من 2000 متضرر من ضحايا الإرهاب في محافظة بغداد قريبا عقدت اللجنة المركزية...

مستقبل العراق بين صنمية الأشخاص وقدسية المنهج ( حيدر حسين الاسدي

العراق بعد الأزمة الأمنية العاصفة، التي مرت به وصل الى نهاية النفق، وبدأ على ما يبدو الخروج من عنق...

الامم الاربعة العرب والاكراد والاتراك والفرس اسباب الصراع و الروابط المشتركة الجزء الاول ( حيدر نعمان العباسي

ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم يختلف المؤروخون في...

منازل البعد ( كريم حسن كريم السماوي

المرء ينتابه شعور البعد عند وطره للأشياء وفي كل لحظة يختزل فيها الأحتياج التي فقدت وجودها فيه في عالم...

انت الملاك الطاهر ( علي وحيد العبودي

عندما اعطى المعلم نتائج الامتحان لتلامذته في الابتدائية اصر احدهم بان الدرجة الامتحانية التي منحت له لاتليق به ولايستحقها....

صنع في العراق ( عبدالزهرة الطالقاني

قد تكون مصطلحات “صناعتنا” و “زراعتنا” و “سياحتنا” في باب المسميات الوطنية .. فما كتب عليه صنع في العراق...

500$ لكل مواطن عراقي ..بشائر التغيير ( أثير الشرع

بُعيد الانتخابات التشريعية السابقة عام, 2010 كَثُرت التصريحات، على لسان أعضاء أو مقربين من الحكومة, التي تشكلت آنذاك، بتخصيص...

قبل أن تحدث الكارثة …”آمرلي” تنتظر!.. ( حيدر حسين الاسدي

ما تزال ناحية “آمرلي” الصامدة، تعاني الحصار والاستهداف والموت المنتظر، فمنذ أكثر من شهرين تتعرض الناحية الى هجمات شرسة،...

داعش قرش البحر ( علي وحيد العبودي

اخيراً تيقن العالم خطورة التنظيمات الارهابية بمختلف مسمياتها ، فبادرت بريطانيا الى طرح مشروع قرار تقدمت به الى مجلس...