نحكم به…..أم نحكمه ؟ ( عبد الرضا الجاسم

يناير 29, 2012 No Comments

كثير من المنظومات الفكرية والقانونية، كانت بساطا مؤثثا لسلطة الحكم، أو بعبارة أدق، للتحكم برقاب العباد، وإذا كانت هذه من صفات الأنظمة التعسفية، فإننا هجرناها صوب الضفة الأخرى، ضفة الأنظمة الديمقراطية التي ليس فيها حاكم أعلى من صوت الشعب، ولا فعل أو شخص أعلى سلطة من القانون، أما الشعب فلم يبخل بحضوره، برغم كل التحديات والتضحيات الكبيرة، ولا يزعم أحد أننا نعاني من شحة الانتخابات، فما خضناه منها نستطيع أن نفاخر به شطرا كبيرا من دول العالم، فبقي أن ترتقي الكفة الأخرى، أي كفة القانون، إلى ثقل هذه التضحيات وجسامتها، أو سنكون (( كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)) كما تصف الآية الكريمة، فنبني بيد ونهدم بالأخرى .
لتطبيق القانون وجهان؛ أحدهما أن تحكم به السلطة من هو دونها، بل تطبقه بقضه وقضيضه على شعبها، غير أنه ــ أي القانون ــ  ما إن يصل إلى حدود عنوان من عناوين السلطة، حتى يفقد صلاحيته، ويتحول حبرا على ورق، وليس أدق توصيفا لهذا الحال، من أن السلطة هنا تحكم بالقانون، ليس بمعنى تطبيقه، بل بمعنى أنه سبب بقاء سلطتها، حين يكون وسيلة من وسائل البطش، وسيفا مسلطا على رقاب الشعوب، ليس من أجل تأسيس دول ومجتمعات يحكمها القانون، بل من أجل ترسيخ عروش سلطات تعسفية، تسوق شعوبها باسم القانون، وتظلمهم وتسجنهم أو حتى تقتلهم باسم القانون، وتبقى هي فوقه بجميع رموزها وتصرفاتها ومن ترضى عنه من ذيولها، وقد رأينا ذلك وعايشناه عقودا، خلف أسوار الدكتاتورية المرعبة .
أما الوجه الآخر، فهو أن  تعمد السلطة إلى تحكيم القانون، بأن تعطيه سلطة علوية، تحكم أفعالها كما تحكم أفعال شعبها، بلا فرق بين عنوان سياسي أو حكومي، وبين آخر من عامة الشعب، ولا شك في أن هذه صفة الأنظمة الديمقراطية الراسخة، وطالما قدمنا أوراق اعتمادنا في مضمار الأنظمة الديمقراطية، أصبح لزاما علينا أن نمضي قدما في مشروعنا بشرطه وشروطه، وألزم شروطه هو تحكيم القانون، وقطعا ليس من هذه الشروط ، أن تقف الحزبية أو الفئوية حاجزا دون تطبيق القانون، فنحن جميعا لا ننفك من أحد أمرين؛ إما ننتمي إلى فئة بالمعنى الأعم، أو إلى حزب بالمعنى الأخص، وإذا كانت الفئة أو الحزب مانعين من طائلة القانون، فهذا يعني أننا أمام خيارات أحلاها مرّ، وهي إما أن نغادر آليات القانون، ونستبدلها بالترضيات والتوافقات، أو نطبق القانون على أفراد وننزه آخرين، فنعود إلى سيرة أولئك الذين إذا خالف منهم الغني تركوه، وإذا خالف منهم الفقير أقاموا عليه الحد، أو نشطر نظامنا الديمقراطي إلى شطرين متناقضين، شطر يحتكم إلى صناديق الاقتراع والنظام الانتخابي، وآخر تقف فيه السياسة والمناصب والاعتبارات الفئوية، خارج سلطة القانون وتهيمن عليه، تحرمه على من تشاء، وتحله لمن تشاء، وبمعنى آخر، تحكم به ولا تُحكِّمه، وكلها خيارات ستلقي بنا بعيدا عن مضمار الأنظمة الديمقراطية ودولها المدنية الحديثة.
إذا كان الدستور هو القانون الأسمى لأي نظام ديمقراطي، فليكن هو المدخل لعلوية القانون، والمحك لعمليتنا السياسية، بين أن نحكّمه في مشهدنا السياسي بجميع تفاصيله، أو نلقيه وراء ظهورنا، ونكتفي بالمغالبة والاحتماء الفئوي، لكننا حينها لن نملك الحق في الحديث عن دولة، إذ سنكون عبارة عن مجاميع متصارعة، وتكون الغلبة لمن استعلى، وسيدس الغرباء أجنداتهم ومصالحهم في تفاصيل الصراع، وكلما خفتت نار فتنة أو خلاف، أججتها هذه الأجندة أو تلك، أما الأثمان فسيكون لها دافع وحيد، هو الخاسر الأول والأخير، وكلنا يعلم يقينا أننا نحن هذا الخاسر تحت غبار الصراعات، وأننا نقف الآن على مفترق طرق، ولن نصل إلى أرض مشتركة ننطلق منها، قبل الاتفاق على مرجعية نحتكم إليها جميعا، ونحكّمها في كل خطوة نخطوها، ولتكن هذه المرجعية هي الدستور، بشرط الاتفاق على كيفية التعاطي معه، بأن يكون ميزانا لمفردات عمليتنا السياسية، وفوق الفئوية والحزبية، والأهم، فوق جميع المصالح غير مصلحة الوطن.

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

Share to Google Buzz
Share to Google Plus
Share to LiveJournal
Tags: مقالات

شاركنا برأيك حول المقال

ما هو رايك حول المقال؟

(مطلوب)

(مطلوب)


*

دولة المعاشات والبطالة المقنعة؟ ( كفاح محمود كريم

أكثر من خمسة آلاف موظف في احد معامل الزيوت النباتية في بلادنا، التي يفترض انها تصنع تلك الزيوت كونها...

ملفات قمة بغداد ( عروبة جميل محمد

انعقاد القمة العربية في بغداد، قضية وطنية وعلى الجميع أن ينظر لها من هذه الزاوية ، وإن حضور قادة...

تهمة ازدراء القضاء ( القاضي زهير كاظم عبود

يواجه رئيس وزراء باكستان تهمة ازدراء القضاء ليواجه التحقيق والمحاكمة أمام القضاء الباكستاني ، والازدراء بمعنى الاستخفاف أو الاحتقار،...

إرث قابيل ( محمد الحداد

سكينُ قابيل الملطخة بدم أبينا هابيل..تلكَ الموغلة في القِدَم.. المشحوذة على الدوام منذ أول وأقدم جريمةٍ في التاريخ..مَنْ أوصلها...

حياة نبي الاسلام بين الفهم الاصلاحي والتوظيف السياسي ( صفاء العراقي

في يوم أشرقت فيه الأرض بنور ربها وتنزلت رحمة السماء وتعطرت الأكوان بولادة النبي الصادق الأمين أبي القاسم محمد...

المرأة العراقية وبصمات الحروب ( طارق رسن

اختل التوازن العددي بين الرجال والنساء في المجتمع العراقي بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980، وأصبحت العوائل...

متفقون.. ولكن ( عبد الرضا الجاسم

نتفق جميعا على أهمية انعقاد القمة العربية في بغداد، وبعيدا عن تشاؤم المشككين، كان الموقف العربي الرسمي،  مع حضور...

لهذا سيسقط النظام السوري ! ( شاكر النابلسي

ما هي المبررات الموضوعية التي يسوقها بعض المؤرخين والمحللين السياسيين من ذوي البصر والبصيرة لسقوط النظام السوري عاجلاً أم...

حقيقة استقلال القضاء في العراق الجديد ( المحامي عبد الستار حسين الربيعي

حقيقة استقلال القضاء في العراق الجديد المحامي عبد الستار حسين الربيعي   تستند فكرة الدولة القانونية في أساسها على...

مجلس القضاء الاعلى …و القضاء في اقليم كردستان ( المحامي محمد حسن المالكي

مجلس القضاء الاعلى …و القضاء في اقليم كردستان المحامي محمد حسن المالكي ينص الدستور العراقي النافذ على إن  السلطة...