الكتابة في الأزمة ( علي شايع
يناير 26, 2012 No Commentsلعلّ من أعذب الأحاسيس في الكتابة؛ ذلك الشعور بالنشوة المسبقة من أن المرجو فيها ليس مكسباً ثأرياً وتغالبياً، بقدر ما هو رهان جاد لأجل أن تكون الكلمات موقفاً متجرد السعي نحو الأفضل. وعلى المستوى الفردي كم ذا ينتهي الموقف الشخصي الحاد إلى صلح ووئام وتبقى الكتابة تعلن عن رسوخها كوثيقة لا سلطان لكاتبها بتغيير ما أورده فيها، أكثر من توسّل التبريرات والتشفّع بالتأويل، فما يُكتب على الورق أو يوثق الكترونياً شبيه الوقع بما ينحت على حجر، لأن فعل الكتابة فعل وجود واحد.
في الأيام الأخيرة من يتابع الوقائع السياسية وما يليها من ردود فعل كتابية في الصحف أو المواقع الالكترونية، سيجد إن موجة من الشحن والتثوير والتصعيد الموجّه تدفع للسؤال عما يجري بإمعان وتدقيق، فالمواقف مرتجلة أحياناً في ساحة نزاع تضجّ بمشاجب التهم وما يمكن استخدامه في النزال..
وهو نزال تطول مدّته ويبدو إن أفق أيامه القادمة سينذر بالكثير.
بالطبع إن مدار المسؤولية وحدودها لدى الكاتب هو ما يمنحه الحضور بين الناس، فمن يراهن على العبث بهذه المسؤولية يراهن على زوال مصداقيته وشروط استمرار تعاقد الثقة بينه وبين القارئ.
هذه الثقة ميزانها يوضع غالباً في صندوق (كما ميزان الذهب) حتى لا يتأثر بأدنى تيارات الهواء، ومثل هذا الصندوق يحتاجه الكاتب والمتابع لوقائع ما يدور من حوله، ليضع فيه ميزانه بهدوء، محتكماً إلى ضمير حي؛ فما يكتب من شيء إلا ولديه رقيب عتيد!.
في الأيام الصعبة يتيح النقد والمواجهة الشفافة في الصحافة والاعلام مجالاً واسعاً لاحتكام الناس من خلال خلقهم تصورا مستقلا، والصحافة خاصة سيكون تأثيرها أكبر لأنها تستثمر أقصى درجات الوعي باعتبار إن مجال الكتابة الصحفية يبقى المجال الأقرب إلى عوالم الفكر المحكوم بالخلق المهني للصحافة وسقف الرؤى العابر على الصغائر في سعي جاد للتغيير.
عراقيا تعودنا وعبر تجارب السنين إن يكون للفعل السياسي إنعكاسه التام على جميع المستويات، حيث تصبح ردات الفعل اليومية تفاعلاً وتجاوباً عبر الشارع والمقهى والجامعة وحتى المدرسة الابتدائية.
ومن يتابع المهمات السياسية اليوم سيضع بعين الاعتبار تلك التفاعلات الشعبية العامة، ليدرك حجم وخطورة التأثير الإعلامي القادم، ودور الكاتب الحقيقي ومهمته الجديدة في استثمار الظرف بأمانة وموضوعية، فبين من يتصيد النوايا ويضع لها المحاكم، وبين من يرصد الوقائع والأخطاء ويشخصها للمطلعين، ويرسم لها أفق مواجهة مع الآخر عبر محاكاته وحواره، والوصول معه إلى مستوى المكاشفة المعلن في وسائل الإعلام، حتى يتحقق له حضور رأيه وحضوره التام، فهو ربما يريد تغييبنا وعلينا أن لا نسعى بمثل مساعيه، حتى نحظى بمتعة العدالة والإنصاف، ولأجل أن لا ينطبق على أي منا المثل الفرنسي القائل:”الغائبون دائما على خطأ”.

