غياب الوطن في وعي المواطن ( ثامر عباس

نوفمبر 17, 2010 No Comments

غالبا”ما كان شاغل الكتاب والباحثين في حقول الاجتماع المدني والسياسي لبلدان العالم الثالث ، ناهيك عن رهط السياسيين ورموز السلطة وصنّاع الرأي فيها ، الإفراط بايلاء القضايا المتعلقة باحتياجات الناس المادية والمطلبية المباشرة ؛

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

كالأمور السياسية وما تشتمل عليها من أنشطة حزبية وفعاليات حقوقية ومواضعات تراتبية ، فضلا”عن الشؤون الاقتصادية وما يتفرع عنها من مستلزمات معيشية ومتطلبات خدمية ، أكبر مما هي عليه في حقيقة الأمر الواقع .
دون أن يولوا العوامل الأخرى المتصلة بالديناميات الروحية والفاعليات الرمزية اللامباشرة ، التي رغم كل ما يفرض عليها من قيود الإهمال والتجاهل ، وبصرف النظر عن كل ما يلحق بها من مظاهر التبخيس والتدنيس ، سرعان ما تعبر عن ذاتها وتفصح عن ماهيتها ، عبر مكنون خلفياتهم التاريخية ، ومضمون علاقاتهم الاجتماعية ، ومحتوى تصوراتهم الذهنية ، وأنماط تعبيراتهم الثقافية ، وطبيعة تمثلاتهم المخيالية ، ومستوى التعبير عن الهوية ، بقدر ما يوازي أهميتها على صعيد التأثير السيكولوجي ، ويعادل استحقاقها على مستوى الفعل المعرفي .
وآية ذلك إن الاعتقاد التقليدي السائد في الأوساط الرسمية وشبه الرسمية ، لم يبرح يغذي الأوهام المسؤولة عن إعطاء المظاهر الملموسة شأنا”أكبر من المجردة ، والظواهر المعاشة أفضلية أكثر من المدركة ، والمعطيات المرئية تأثيرا”أشد من اللامرئية ، والإرهاصات المعلنة تقديرا”أعظم من المضمرة ، والتداعيات الواقعية حضورا”أقوى من الفكرية .
وهو الأمر الذي عزز مكانة الإيديولوجيات الخلاصية / الطوباوية ، على حساب دور الممارسات التحويلية / الواقعية من جهة ، وكرس من جهة أخرى انتشار الأصوليات الدينية / الطائفية والنزعات العدوانية / الاقصائية والاستئصالية، على حساب دور العلاقات الاجتماعية والفعاليات التواصلية من جهة أخرى .
على خلفية تراكم المعاناة المستديمة وتفاقم المشاكل المستعصية ، التي لم تبرح تتلظى بجحيمها الغالبية العظمى من شعوب تلك البلدان ، بسبب سياسات حكوماتها الدكتاتورية وتصرفات أنظمتها الشمولية وسلوكيات سلاطينها الشخصية . وهكذا فقد اختصر الوطن إلى مجرد قطعة أرض يسكنها المقتلع من فضاء الجغرافيا ، أو أحيل إلى مجرد رغيف خبز يحصل عليه الجائع من عطاء الاقتصاد ، أو قلص إلى مجرد انتماء حقوقي ينعم به المنخلع من الاجتماع ، أوهمّش إلى مجرد ولاء لفظي يتشدق به المتفجّع من السياسة . وهو الأمر الذي سيفضي – بالتقادم والتراكم – إلى حصول حالة من تبلد إحساس الأنا بالانتماء للذاكرة التاريخية ، وضمور وعي الذات بالولاء للنحن الجمعي ، من خلال القطيعة الوجدانية التي لا تني عناصر تشكيلها وعوامل تكوينها ، في لا شعور المرء تترسب ببطء ولكن باستمرار .
ولعل هناك من ينسب – وهو لا ريب محق بذلك – بروز هذه الظاهرة الخطيرة في المجتمعات المتصدعة ، نتيجة لشيوع مظاهر العنف في نظمها السياسية ، والتطرف في علاقاتها الاجتماعية ، والتخلف في بناها الثقافية ، على خلفية عقود الهيمنة الكولونيالية وما ترتب عليها من محاولات حثيثة ومتواصلة لمسخ التاريخ المحلي ونسخ الذاكرة الشعبية من جهة ، وسياسات ما بعد الاستقلال الوطني قصيرة النظر وما تمخض عنها من أساليب حكم طغيانية ، وإجراءات سيطرة تعسفية أجهزت – دون حسبان للعواقب – على كل ما في كينونة المواطن من مشاعر حميمية تجاه الوطن / المكان ، واستأصلت كل ما في ماهية الإنسان من أواصر الألفة للمجتمع / الكيان من جهة أخرى . بيد انه يجدر بنا عند البحث عن أصول هذه الآفة الوجودية / المصيرية ، التي يبدو أنها استوطنت ذهنية المجتمع العراقي بسهولة ودون ممانعة ؛ الانعطاف نحو طبقات السيكولوجيا للحفر في قيعانها ، والتوجه صوب مرجعيات الانثروبولوجيا للتنقيب في ترسباتها ، والشروع باتجاه مخلفات السوسيولوجيا للبحث في طماها. لقد تواضعت أجيال متعاقبة من العراقيين على جملة من الأوهام والأباطيل التي مؤداها ؛ إن تصور مفهوم الوطن عادة ما يقترن بوجود الزعيم وليس العكس ، وان إدراك أهمية الأول وتقدير قيمته غالبا”ما يستمد أرجحيته من كاريزما الثاني وليس العكس، وان استيعاب معنى ودلالات فكرة الوطن المجرّدة لا تبدو مفهومة ومعقولة إلاّ من خلال شخصية القائد المجسّدة . بحيث إن عواقب هذه الحالة لم تشخصن فقط حقيقة الوطن ورموزه ، ولا الدولة ومؤسساتها ، ولا السلطة وأجهزتها فسحب ، بل وكذلك كيان المجتمع وقيمه أيضا”. ولهذا فليس من الغرابة في شيء إن تتماهى الغالبية العظمى من العراقيين مع ذلك الهتاف ، الذي طالما صدحت به حناجر الحشود المؤدلجة بانفعالية هوجاء لا تحسد عليها: بالروح بالدم نفديك يا … !.
ولما كانت واقعة الوطن قد وجدت أصلا”لتحتضن الإنسان وتحميه ، لا أن تنبذه وتقصيه – إن لم تستغله وتضطهده – وان تأمنه من الجوع وتنتشله من البؤس ، لا أن تضطره إلى الخنوع وتجبره على الاستكانة – إن لم تدجنه – وان تصون حقه وتحفظ كيانه ، لا أن تهدر كرامته وتستبيح حياته – إن لم تغربه وتغيبه -.
فقد أفضت هذه الوضعية الكارثية ، إلى موت فكرة الوطن القومي في وعيه ، واندثار معالم المكان التاريخي في ذاكرته ، وتلاشي مقومات الشخصية الاجتماعية في وجدانه ، واندراس عناصر الهوية الوطنية في مخياله.
ومع إن وقائع من مثل ؛ العراقة في التاريخ، والأقدمية في الجغرافيا ، والاصالة في الحضارة، والأولوية في السياسة ، والأسبقية في الدين ، تعد عوامل أساسية في تأصيل فكرة الوطن في بنية الشخصية الاجتماعية ، وتفعيل دلالتها في الوعي الجمعي ، وتمثيل رمزيتها في الذاكرة التاريخية . بيد إن تلك الوقائع ذاتها سرعان ما تنقلب إلى ضدها ، وتغدو أعباء ثقيلة ينوء بأوزارها الوطن ، وتستحيل إلى مصاعب كثيرة يتلظى بمعاناتها المواطن . لاسيما عندما يكون التاريخ صاخباً بالأحداث المفبركة ، والجغرافيا ضاجّة بالواقع الملتبس، والحضارة مسكونة بالظواهر المتناقضة، والسياسة مثخنة بالانشطارات المتراكمة، بمعنى آخر انه بقدر ما تنتفي مظاهر؛ الانقطاعات المستديمة في سيرورة التاريخ ، والانزياحات المتكررة في صيرورة الجغرافيا، والانهيارات المتواصلة في مدماك الحضارة، والصراعات المستمرة في أتون السياسة ، والتطهيرات الدورية في مكونات المجتمع ، بقدر ما تصبح فكرة الوطن قارة في وجدان الفرد ومترسخة في وعي المجتمع .
وغالبا”ما تمسك قادة الأحزاب والحركات السياسية (ذات البعد الواحد) ، فضلا”عن مروجي الخطابات الديماغوجية ومسوقي الطروحات العنصرية ، بوهم إن إحياء رمزية الوطن في ذهنية المواطن ، تتأتى عن طريق تبجيله بالشعارات لا تفعيله بالممارسات ، وتوثينه بالإيديولوجيات لا تحيينه بالسوسيولوجيات ، وتفخيمه بالأسطوريات لا تعظيمه بالعلاقات .
إذ إن فكرة الوطن ستبقى ، والحالة هذه ، فكرة ضبابية يصعب إدراكها ، وتصور غامض يتعذر استيعابه ، طالما إن المواطن سيجهل معنى إن تكون للوطن أصول ثابتة في الزمان، ويتجاهل مغزى أن تكون له جذور قارة في المكان ، وينسى قيمة أن تكون له حرمة مبجلة في الوجدان . وحينذاك لابد للاجتماع المدني إن يحتاج إلى قدر هائل من التواصل، لرأب الصدوع ما بين المكونات المستقطبة ، كما لابد للثقافة الوطنية أن تبذل جهوداً خارقة من التفاعل ، لرتق الشقوق ما بين الذهنيات المجيشة . بحيث تعطي لعناصر فكرة الوطن زخما”نوعيا”ومتجددا”، ليس فقط داخل أروقة الوعي الفردي والجماعاتي فحسب، إنما في أعماق السيكولوجيا الاجتماعية وفضاء المخيال الرمزي أيضا”. ولعل الكثير من المحللين والدارسين لأنماط المجتمع العراقي ، ممن فتنوا بصلابة الشخصية العراقية وقدرتها على المجالدة والتحمل، وقعدوا ضحية إغراء المظاهر وإغواء الخطابات، حين عصفت بتوقعاتهم الثابتة وأطاحت بقناعاتهم الراسخة، تلك الصور المأساوية والمشاهد المفجعة مما تفعله الاحزاب، والتذرر الاجتماعي للأقوام، والبربر الحضاري للطوائف ، والنكوص القيمي للأفراد، منذ أن سقطت قلاع الدولة ، وانهارت حصون النظام ، وتهاوت أسوار السيادة ، وتعطلت هيبة القانون ، حتى الآن .
بحيث لم يعد لمفهوم الوطن من دور سوى تبرير التخريب باسمه المتعالي ، وتسويغ النهب تحت يافطته المحرّمة ، وتشريع القتل على مذبحه المقدس .
وهكذا بدلا” من أن يغدو الوطن ملاذا ”آمنا” للنجاة من النوائب، وعوضا” أن يكون ملجأ مستقرا” للخلاص من المصائب، استحال لدى الإنسان العراقي إلى مصدر”سخي”لانثيال معاناته ، وعامل”أساسي”لاستفحال اغترابه . بحيث تلاشت لديه نزعة الانتماء للوطن بكل أنواعها ؛ السياسية والتاريخية والجغرافية والحضارية ، وتضخمت عنده فزعة الولاء للعصبية بكل أشكالها ؛ الاقوامية والطوائفية والقبائلية والمناطقية .
ولهذا فليس هناك ما يحرك ساكن المواطن العراقي حيال تعرض وطنه للاستباحة ، سواء أكانت من قوى الداخل أم من أطراف الخارج ، كما ليس هناك ما يثير حميته إزاء خضوع تاريخه للمسخ وهويته للنسخ . طالما إن هناك بديلا”يحتكم إليه ويستجير به ، لحظة الوقوع في المشاكل والجنوح نحو المآزق ، التي ما أكثرها في حياة الفرد العراقي ، ليس فقط على صعيد مخياله وتمثلاته ، وتاريخه وتداعياته فحسب ، بل وكذلك على مستوى وعيه وسلوكياته وواقعه وعلاقاته أيضا”. والأدهى والأمرّ رسوخ القناعة لدى الجميع ، بان قيمة المرء الشخصية واعتباره الاجتماعي لا تقاس – في جميع الأحقاب والعهود – بمقدار تماهيه بالهوية الوطنية وانحيازه لقيمها الأخلاقية وتمثله لدلالاتها الرمزية ، كما يفترض أن يكون ، إنما المعيار في ذلك درجة قرابته المادية والمعنوية ، لمن يحكم الدولة باسم القومية / العنصرية ، أو يقود السلطة بغطاء الدين / المذهبية ، أو يتزعم الوطن تحت يافطة الإيديولوجية/ الحزبية ، كما هو كائن بالفعل . ولذلك فليس من العدل والإنصاف مطالبة المواطن بمراعاة حق الوطن في ذمته، في الوقت الذي لا يمثل له سوى شعار أريد به فرض إرادة القوي على الضعيف ، وتسويغ طغيان السلطان على الرعية ، وتبرير سيطرة الحاكم على المحكوم ، وتمرير هيمنة المتبوع على التابع

المصدر : جريدة الصباح

Share to Google Buzz
Share to Google Plus
Share to LiveJournal
Tags: قائمة الكتاب

شاركنا برأيك حول المقال

ما هو رايك حول المقال؟

(مطلوب)

(مطلوب)


*

الحقيقة بين الوهم والاستحمار ( حبيب السعيدي

حملت حقيبة معاناتي واتجهت الى حيث تأخذني قدماي المتورمتان لكثرة البحث عن مكان انتساب الحقيقة , هارب من كل...

شهادة حق وانصاف ( عبد السلام الجميلي

نشرت الصحفية العراقية ليلى عبد الرسول وعلى موقع اون لاين في 30/4 /2012 بحق السفير العراقي في اليمن وهو...

المحاكمة الغيابية وضمانات المتهم الهارب (القاضي ناصر عمران الموسوي

يعرف مصطلح القانون الجنائي بأنه :مجموعة القواعد التي تبين انماط السلوك التي تٌعد جرائم والعقوبات المقررة على مرتكبيها ،...

العراق وتحديات الغباء السياسي (عبد السلام الجميلي

لقد انتهى زمن الديكتاتورية والقائد الاوحد وجاءت الديمقراطية التي كنا ننتظرها بشغف وماذا سيعمل القادة الجدد وهل سيتحقق الوعد...

بين المساواة والتفاوت .. قراءة في فلسفة العدل وتأثير الطبقية على القضاء العراقي ( صفاء العراقي

بين المساواة والتفاوت .. قراءة في فلسفة العدل وتأثير الطبقية على القضاء العراقي يقول اهل الفلسفة أن العدل يقوم...

منهجية الكيل بمكيالين في فكر المؤسسة الدينية ( حسام صفاء الذهبي

كتبت هذا المقال قبل فترة بعد أن نقلت المصادر الاخبارية استهداف مكتب رجل الدين محمد اسحاق الفياض بقنبلة صوتية...

التنمية المزيفة ( باسل محمد

بلغة عفوية وصدق الشارع، نقول ان هناك تنمية كاذبة لها ملامح لا حصر لها ومن ابرز امثلتها و اخطرها  ...

دفن الحقائق ( ياسين العطواني

من المشاهد المؤذية التي تركها النظام البائد على الواقع الأجتماعي والتربوي والنفسي للأسرة العراقية، والتي لم يحسم أمرها الى...

سلطة سحب الثقة بين رئيس الجمهورية ومجلس النواب ( القاضي زهير كاظم عبود

ازدحمت الصحافة والاعلام المرئي والمسموع بقضية سحب الثقة ، وردد العديد من السياسيين هذه العبارة  محاولين زجها في محلها...

فوضى السلاح ( علي شايع

لعلّ أهم ما سعى اليه دعاة التغيير في العراق الجديد هو تحقيق الدولة المدنية بأدق معانيها التي غيبها العنف...