جدلية السلطة والسيادة ( ثامر عباس

نوفمبر 30, 2010 No Comments

لطالما اوحت فكرة نشوء دول العالم الثالث الحديثة ، وما تمخض عنها من اشكاليات تتعلق بتداعيات نمذجة سلطاتها ، وتبعات تاطير صلاحياتها ، وملابسات اضفاء شرعيتها ، بارتباط هذه التكوينات المؤسسية بمصالح ومخططات القوى الكولنيالية

 التي هيضت ظاهرة الاستعمار الغربي لمجتمعات الشرق ، فضلاً عما ترشح عن هذه الواقعة اللاانسانية من افرازات ليس اقلها ؛ الارتهان السياسي والاستتباع الاقتصادي والاحتواء الايديولوجي والانخلاع القيمي . وهو الامر الذي اعتبر بمثابة (كعب اخيل) تلك الدول ونقطة الضعف في بنيتها المؤسسية ، التي سوف لن تلبث طويلاً حتى تتحول الى احد ابرز عوامل انخفاض شعبيتها وتردي سمعتها ، ومن ثم ، ترهلها الامني وتوحشها البوليسي ، بحيث استدعت هذه الحالة ان تكون الدولة مستنفرة لحد الهوس ومستثارة لحد الهلع ، خشية التاكل في سلطتها والتصدع في كيانها .
وعليه فقد لاحظ الباحث اللبناني (وضّاح شرارة) ان ظهور الدولة الحديثة (( لم يكن نتاجاً لتفاعل التناقضات الاجتماعية وتطورها في صور تجميعية جديدة ، بل كان ظهوراً مصطنعاً وهامشياً ، اي ولدت هذه الدولة ، بنمط سلطتها (الخارجية) وطاقمها واجهزتها ومثقفيها ، هامشية بالمعنى الحرفي ، ولم تنجح في كسر هامشيتها حتى في اوج سلطتها ، عندما بدا انها امسكت في قبضتها مقاليد الحكم والتنظيم السياسي ووسائل الانتاج الرئيسية والايديولوجية الرسمية)) . واذا كانت الدولة العراقية المفككة لم تبرح حاضرة في معظم الدراسات الستراتيجية ، ومطروحة ضمن اغلب التحليلات السوسيولوجية ، ومتداولة في جميع النقاشات الاعلامية ، فلان الحصيلة الوافرة التي افرزنها – ولا تزال – تجربتها الدراماتيكية ، تشكل النموذج الحيّ والمعيار المتجسّد لسائر انماط المجتمعات ، التي خضعت لانظمة سياسية طالما حكمت شعوبها بدافع الخوف منها لا بوازع الحرص عليها ، وتحكمت بمواطنيها سعياً لاخصاء شخصيتهم وليس لانماء وعيهم ، سواء اكان ذلك على صعيد العالم العربي وما يعانيه من تناقضات وصراعات ، أم على مستوى العالمثالثي وما يكتنفه من تمزقات وانشطارات . وخلافاً لاهتمامات دول العالم الغربي / المتقدم ، التي وضعت المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على سلم اولوياتها السياسية ، بعد ان حسمت – منذ زمن بعيد – قضايا وحدتها الجغرافية ومركزيتها السيادية وهويتها الوطنية ورمزيتها التاريخية . فان انشغالات دول العالمثالث / المتخلف لم تبرح اشكاليات شغالة في ماهية ؛ شمولية الدولة ودكتاتورية النظام واستبدادية السلطة ، تحتل الصدارة في اجندة سياساتها وملف تصوراتها . ومن جملة المفارقات التي استوطنت حقل التجارب السياسية لبلدان هذا الشطر من العالم ، حصول توافق ضمني غير معلن او غير مصرّح به ، بين مصالح الحكومات الاستعمارية السابقة من جهة ، وبين مارب القوى السياسية المحلية (احزاب وجماعات ضغط) اللاحقة من جهة اخرى . لاسيما حيال نمط الدولة الوطنية المزمع فرضها على انقاض المجتمع وحطام الاقتصاد وخراب الثقافة وتمزّق الجغرافيا وتهتك التاريخ ودمار الشخصية وانحسار الهوية . بحيث اريد لها ان تبقى على صعيد النظرية فكرة هلامية – وان شئت زئبقية – بتعذر توطينها في وعي المواطن العادي من جهة ، وتستمر على مستوى التطبيق مؤسسة كسيحة وطنيا – وان بلغت ذروة التوحش – وضعيفة دوليا من جهة اخرى . ولعل حيثيات تشكيل الدولة العراقية ابان مراحلها الاولى ، وتداعيات تكوين مؤسساتها في المراحل التالية ، قمينة بتسليط الضوء على هذا النمط الشائه من الدول ، التي ليس فقط ابصرت النور من خارج بيئتها الاجتماعية فحسب ، بل وقبل استكمال عناصرها المادية ونضوج مكوناتها الرمزية ايضاً. ولهذا فكلما تعرض المجتمع الذي تقوده الى ازمة سياسية او محنة اجتماعية او نكبة طبيعية ، كلما كانت تلك الدولة مدعوة لمواجهة الكثير من الاسئلة المحرجة ، التي تنطوي على تحديات مصيرية جمة تتعلق بالشرعية الوطنية والمشروعية الاخلاقية ، لا بل حتى بالجدوى السياسية والمؤسسية لها كذلك . واللافت ان هذه الحالة المازقية تركت ، بالنسبة لكيان الدولة العراقية ، ندوباً دائمة وعيوباً مستعصية ، قلما استطاعت البراء منها او التسامي عليها على الاقل ، خصوصا لجهة الارتباك الكائن في صميم العلاقة الجدلية ؛ ما بين نمط السلطة التي تمارسها من جهة ، وفضاء السيادة الذي تستطيع فرضه من جهة اخرى . ولما كانت السلطة تتمظهر باستخدام القوة الشرعية والاكراه العرفي ، مثلما ان السيادة تتجسّد باستعراض الهيبة الاعتبارية والرمزية السيميائية ، فقد لبثت هذه الدولة تعاني الامرين ، جراء فقدانها لمزّية الولاء الوطني الواجب ايلاؤها اياه من لدن مواطنيها ، بسبب تعاكس اليات اشتغال كل من عناصر السلطة ومقومات السيادة ، ومن ثم نفي كل منها لضرورة حضور الاخر في سيرورة عمل الدولة . باعتبار ان اية دولة لن تتمكن من البقاء – ناهيك عن التطور – دون ان ترتكز على معطيات تلك الوحدة الجيوبولوتيكية ، القائمة على ممارسة فعل السلطة في الواقع السوسيولوجي من جانب ، وفرض سلطان السيادة على الوازع السيكولوجي من جانب ثان . والا فانها ستتحول من مؤسسة للجم التوترات السياسية ، وكبح النزعات الفوضوية ، ومنع التهتكات القيمية ، وردع التهديدات الامنية ، الى مصدر خطير يفضي الى تعاظم الازمات وتفاقم الصراعات واستفحال الانتهاكات .
ان لم تكن هي اساسا طرفا فاعلا في تاجيج الخلافات بكل انواعها ، وتسويغ الاستقطابات بكل اشكالها ، وتبرير التناحرات بكل مستوياتها.
بحيث لم تعد تستمد عناصر قوتها من فكرة (القدرة) الكامنة في صلبها ، بل باللجوء الى قوة هذا الطرف او ذاك . ولم يعد في مقدورها استحضار مقومات هيبتها من وحي (الطاعة) المتاصلة في ذاتها ، انما بالاعتماد على سطوة هذه الفئة او تلك . وحينذاك تغدو دولة نافلة ومؤسسة عاقرة وفكرة عقيمة ، بعد ان تنفرط جدلية عقدها الاجتماعي ، وتتحلل سبيكة سلطانها الشرعي . واذا ما ناقشنا هذه المسالة من منظور المبادئ العامة للسياسة ، او لامسناها من زاوية السياقات المعيارية للاجتماع ، فاننا نستطيع الجزم بان معظم هذه الملاحظات / الماخذ ، لن تؤشر فقط لحالة الدولة العراقية موضوع هذا المقال وحسب – التي تعد في العرف السياسي خارجة عن مالوف التجربة ، وبعيدة عن معروف الممارسة – انما تسري وبالقدر ذاته على جميع تلك الدول ، التي كان للعامل الخارجي / الاستعماري دور في وجودها ، سواء اكان ذلك الدور مباشر ام غير مباشر ، كلياً ام جزئياً ، فعلياً ام نظرياً ، عسكرياً ام دبلوماسياً .
الا ان بيت القصيد هنا والان ، هو ان بعضها استطاع – ولعوامل ذاتية بالدرجة الاساس – التخلص من تبعات ذلك الارث المزري ، وتخطي ترسبات تلك المرحلة المخجلة . ليس بالرهان على زيادة مقدار التبعية والاستتباع ، لمن اسهم في تكوينها واشترك في تشكيلها ، انما بالاعتماد على تقوية ركائزها الاستقلالية ، وتمتين اواصرها الاجتماعية ، وتوحيد عناصرها السلطوية ، وتوطين رموزها الوطنية ، وترسيخ قواعدها الشرعية . للحدّ الذي اصبحت معه ندا لا يستهان بمكانته في محيط الاسرة الدولية ، كما اضحت شريكا لا يمكن الاستغناء عن دوره في مجال الشؤون الانسانية . هذا في حين استمر بعضها الاخر – والدولة العراقية من هذا البعض بالطبع – يتخبط في تناقضاته ويتمرغ في مفارقاته ، دون ان تهتدي الى افاق خلاصها وتخوم نجاتها من دائها العضال ، الذي لم ينفك ينخر بكيانها ويفتك بشعوبها . ولكي لا نطنب بالعموميات ونسهب بالخصوصيات نختصر القول بالاتي : انه لكي تستعيد الدولة العراقية وحدتها الجيوبولوتيكية المنتهكة على صعيد مجالها الداخلي / الوطني ، وتسترجع سلطانها الجيو سترتيجي المغيب على مستوى فضائها الخارجي / الدولي ، وبالتالي تحافظ على مكانتها وتمارس دورها وتفرض حضورها ، لا يكفيها مجرد استعراض قوتها المادية / القسرية ضمن نطاق المجتمع الذي تحكمه ، بحجة ضبط صراعاته وتصريف ازماته وتقنين خلافاته . مثلما لا يجديها نفعا المراهنة على قدرتها المعنوية / الناعمة لاحتواء وعي افراده وجماعاته ، بزعم استخلاص الطاعة وانتزاع الامتثال واستدرار الشرعية .
فليس مثل الدول التوتاليتارية من برع في توظيف تلك المعطيات ، بامل الحصول على الرضا الكلي ونيل الموافقة الشاملة ، الا انها لم تحصد ، في المحصلة النهائية ، سوى الفشل في الحالة الاولى والخسارة في الحالة الثانية . بحيث لم تلبث الجغرافيا التي تتغنى بقدمها ان تشظّت الى اقاليم متنازعة ، والتاريخ الذي تدعي استلهام ميراثه ان تصدع الى اساطير مجيشة ، والاجتماع الذي تتبجح بوحدته ان تمزق الى اقوام متصارعة ، والثقافة التي تزعم استيحاء قيمها ان تذررت الى هويات متعصبة ، والحضارة التي تتباهى بعراقتها ان تفككت الى اثريات متنابذة . واذا ما وضعنا تاريخ الدولة العراقية بالاعتبار ، من خلال تقييم تجاربها المتنوعة مع انظمة الحكم الملكية والجمهورية ، التي تعاقبت على ادارة دفتها وقيادة سلطتها وبسط سيادتها ، فانها ستكون امام خيارين لا ثالث بينهما ؛ اما ان تكون بؤرة التقاء عناصر السلطة الشرعية ومقومات السيادة الوطنية ، وتحقق بالتالي وحدتها الجيوبولوتيكية على صعيد الاجتماع السياسي ، واما ان تتحول الى مؤسسة بروتوكولية لا حول لها ولا قوة ، تستجدي حقها المستباح في السلطة وهيبتها المهدورة في السيادة ، لتنقلب بالتالي الى مصدر سخي لاشاعة العنف السياسي وتعميم الفوضى الاجتماعية . ولقد سبق للمفكر السوري (برهان غليون) ان اشار الى هذه الحقيقة بالقول
(( لا تنجح الدولة في الاستقرار والاكتمال الا بقدر ما تنجح ممارستها في تحقيق مفهومها او برامجها والقيم التي الهمتها ، سواء اكانت وطنية ام دينية . ففي هذه الحالة يتحول خضوع الافراد بالقوة للجهاز الى ولاء للدولة كسلطة شرعية ومقبولة . ومصدر هذا الولاء هو حصول الانتماء الى الدولة كمصدر لقيم اجتماعية ، اي كمركز لمشروع جماعي ممكن ومقبول )) .

 

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

المصدر : جريدة الصباح

Share to Google Buzz
Share to Google Plus
Share to LiveJournal
Tags: قائمة الكتاب

شاركنا برأيك حول المقال

ما هو رايك حول المقال؟

(مطلوب)

(مطلوب)


*

الحقيقة بين الوهم والاستحمار ( حبيب السعيدي

حملت حقيبة معاناتي واتجهت الى حيث تأخذني قدماي المتورمتان لكثرة البحث عن مكان انتساب الحقيقة , هارب من كل...

شهادة حق وانصاف ( عبد السلام الجميلي

نشرت الصحفية العراقية ليلى عبد الرسول وعلى موقع اون لاين في 30/4 /2012 بحق السفير العراقي في اليمن وهو...

المحاكمة الغيابية وضمانات المتهم الهارب (القاضي ناصر عمران الموسوي

يعرف مصطلح القانون الجنائي بأنه :مجموعة القواعد التي تبين انماط السلوك التي تٌعد جرائم والعقوبات المقررة على مرتكبيها ،...

العراق وتحديات الغباء السياسي (عبد السلام الجميلي

لقد انتهى زمن الديكتاتورية والقائد الاوحد وجاءت الديمقراطية التي كنا ننتظرها بشغف وماذا سيعمل القادة الجدد وهل سيتحقق الوعد...

بين المساواة والتفاوت .. قراءة في فلسفة العدل وتأثير الطبقية على القضاء العراقي ( صفاء العراقي

بين المساواة والتفاوت .. قراءة في فلسفة العدل وتأثير الطبقية على القضاء العراقي يقول اهل الفلسفة أن العدل يقوم...

منهجية الكيل بمكيالين في فكر المؤسسة الدينية ( حسام صفاء الذهبي

كتبت هذا المقال قبل فترة بعد أن نقلت المصادر الاخبارية استهداف مكتب رجل الدين محمد اسحاق الفياض بقنبلة صوتية...

التنمية المزيفة ( باسل محمد

بلغة عفوية وصدق الشارع، نقول ان هناك تنمية كاذبة لها ملامح لا حصر لها ومن ابرز امثلتها و اخطرها  ...

دفن الحقائق ( ياسين العطواني

من المشاهد المؤذية التي تركها النظام البائد على الواقع الأجتماعي والتربوي والنفسي للأسرة العراقية، والتي لم يحسم أمرها الى...

سلطة سحب الثقة بين رئيس الجمهورية ومجلس النواب ( القاضي زهير كاظم عبود

ازدحمت الصحافة والاعلام المرئي والمسموع بقضية سحب الثقة ، وردد العديد من السياسيين هذه العبارة  محاولين زجها في محلها...

فوضى السلاح ( علي شايع

لعلّ أهم ما سعى اليه دعاة التغيير في العراق الجديد هو تحقيق الدولة المدنية بأدق معانيها التي غيبها العنف...