الفكر السياسي وبداية مشروع الدولة ( رياض الفهد
نوفمبر 17, 2010 No Commentsالراصد لتاريخ تشكل الفكر السياسي العراقي المعاصر منذ بواكير بدايات تشكل الدولة العراقية عام 1921 حتى الآن يجد ان صيرورة النضوج لفكر رجل السياسة العراقي قلقة بين بارومتر الصعود والهبوط حتى صارت اشبه بالظاهرة العالقة بين مناخين سياسي واجتماعي انتجتهما جغرافية المخيال الجمعي للطبقة السياسية العراقية وهو ما عطل اي انطباع قد يتبلور نحو صعود وتنام في مسارات نضوج خطاب فكري يستطيع تدوير عقلية رجل السياسة وفق منهجية مستقرة بانية لمشروع الدولة وهذا ما ابقى المسألة وكأنها اشبه بالفايروس المزمن في قاموس السياسة العراقية واصبحت فكرة العبور مسألة مستعصية.
هذا يعني اننا امام ثنائية معطلة لفكرة صناعة الدولة المؤسساتية ويمكن الاستعانة بتاريخ العراق المعاصر في تقريب ما هو مطروح يتعلق بنموذج لواحد من رجالات الفكر السياسي كما يصفه المؤرخ الفرنسي (بنوميشان) في كتابه (ذكريات سياسية) عندما ترجم الى العربية عام 1957 في بيروت، حيث اجرى المؤرخ الفرنسي العديد من المقابلات للفاعلين في السياسة آنذاك في عموم منطقة الشرق الاوسط وكانت اهمها مقابلة لنوري السعيد رئيس الوزراء العراقي الاسبق الذي ترأس اكثر من اربع عشرة وزارة عراقية في حقبة العهد الملكي حيث يستعرض المؤرخ الفرنسي خلفيات وحيثيات حياته جنرالا وسياسيا، حيث يعتقد نوري السعيد والتوصيف للمؤرخ (بنوميشان) من ان ايجاد الحلول لمشاكل العراق هي عابرة لقدرة اهله ويحصرها في الدور البريطاني (الدولة العظمى) وخلاف ذلك او ما سماه بمناطحة السياسة البريطانية انما هو انتحار لفكرة صناعة الدولة او هو مراهقة لسياسي لم يتجاوز محليته المعطلة ومدعاة للسخرية لكن ما تم تسجيله وتوثيقه من خلال العلاقة بين رجل السياسة والجمهور هو بقاء تلك النمطية وعدم تجانسها مع اللحظة التاريخية التي يحتاج فيها السياسي ان يحول هذه الجماهير الى قطيع هائج في لحظات التصادم مع الخصوم، وهي مرحلة وسمت تاريخ هذه العلاقة وليست الفكرة ان تتم اعادة انتاج هذه الجماهير بما يسهم في ارتفاع وتيرة الوعي السياسي والاجتماعي بل ظلت القضية قاصرة على قاعدة حاجة رجل السياسة للجماهير تبعا لظروف الحاجة التاريخية، وهو ما كنا نعتقد ان اي تطور في فكر رجل السياسة يجب ان يكون ملازما مع صعود الفكر الجمعي للمجتمع العراقي وهذه اصل المشكلة في عدم ايجاد توافق فكري بين ما نريد ولانريد ومنها انعدام الرؤية البصرية في ايجاد المسارات المفضية لبناء الدولة المدنية، اذن هو مشهد لهبوط فكر رجل السياسة العراقي يقابله نتاج لهبوط الوعي وانعدام الرؤية تصب للمجتمع العراقي وهذا ما سمي بالتشظي العراقي المزمن الى حد الادمان ويمكن استعارة جانب من النص التاريخي الاسلامي في موضوعة الاشكالية نفسها حيث يرى ابن خلدون مع محدودية رؤيته وهذا راجع الى تنظيره على سبيل المثال حول القدرية هي اصل المشكلة الفكرية في التعاطي مع حزمة من القضايا من بينها المفاهيم كونه فقيها في تلك المرحلة فينظر في قضية الدنيا من خلال الاخرة وهو بذلك يقترب في ذلك من رؤيا نبوءة يوحنا اللاهوتي مع اختلاف بسيط هو ان ابن خلدون بعيدا عن الوعظية التي رسمت له جانبا من فكرة القدرية كونه كان مسكونا بكرهه للسوق ونزعته التجارية وكل هذا نتج عنه ان ابن خلدون قد غاب عنه مفهوم الدولة وصار عنده خلط بين معايير بناء الدولة وبناء السلطة او بالاحرى ميله الى السلطة الغاشمة، كل هذه القراءة السيولوجية تحيلنا الى ان ازمة السلوك المحتقن بين السياسي وبيئته الاجتماعية جعلت فكر رجل السياسة العراقي سلوكا وخطابا مضطربا تحت تأثير الازمة التاريخية نفسها وهي تستنسخ بين الحين والاخر، ما ابقى السياسي العراقي يتردد في المجازفة لتجاوز قدرية ابن خلدون وما بعده حتى في عصرنا الراهن وسقوط دولة السلطة عام 2003 وبروز فكرة عراق جديد يمكن ان يكون مشروعا افتراضيا لبناء الدولة مع تضخم تضاريس الاستعصاء في النفاذ لبلورة نشوء بنية فكرية سياسية قادرة على تحمل الصدمات التي قد تحيل الفكرة الى رماد مع استمرارية الحاح اسئلة الازمة التي لايمكن ان تستجلب الاجابات الشجاعة المفترض حضورها بوجود استحقاقات اللحظة التاريخية وكيفية التعاطي معها بما يسمح لنا ازالة التصدعات في فكر رجل السياسة العراقي حينما تتبلور لديه فكرة ادارة وهندسة شكل الدولة بعقلية صارت ناضجة، وما وجدته في قراءات ريدتشارد اي نيسبت في كتابه (جغرافية الفكر) وهو يصف جانبا من اشكاليات التفكير والانماط المختلفة في ادراك وتصور ادارة الحراك الاجتماعي عند الغربيين والشرقيين ورؤيتهم للاشياء فهو يقول في احدى عباراته بخصوص التفكير العقلي حيث يسأل (لماذا الغربيون اميل الى استخدام المنطق الشكلي عند التفكير عقلانيا في الاحداث اليومية ولماذا اصرارهم على المنطق حتى وان ادى احيانا الى وقوعهم في اخطاء؟ ولماذا يميل الشرقيون ميلا كبيرا الى التفكير في ضوء القضايا واضحة التناقض؟ وكيف سيساعدهم هذا احيانا على الوصول الى الحقيقة؟) بمعنى ان هناك نهجنا في الاستدلال على الحكم تجاه الاشياء في ما يخص العراق كنموذج وكجزء من المنظومة الشرقية هو ان هناك تشظيا مركبا في تفكير رجل السياسة العراقي واستنتاجه يخضع لاسباب الحدث والوقائع المترتبة من وراء الحدث وخلاصة فهمه كما يتصور هذا الباحث في نظرته للشرقيين ووقوعهم بين نقيضين ونفترض ان الحل الطبيعي للازمات السياسية والاجتماعية هي في قربه للقراءات المنطقية التي هي جزء من بناء منظومة الفكر السياسي الغربي لذلك لابد من اجراء اعادة ترتيب وانتاج الوعي السياسي المحلي وصولا الى المقاربات التي تهيئ لنا طبقة سياسية محترفة قادرة على تفهم واستيعاب فكرة الشروع في بناء بنية سياسية مدركة لشروط بناء المجتمع والدولة على قاعدة نضوج فكر سياسي عراقي رصين يستطيع استثمار اللحظة الراهنة قبل غروبها
المصدر : جريدة الصباح

