الكلمة الكريهة (ساطع راجي
يوليو 11, 2010 No Comments لا أحد يجب أن يكون (سابقاً) في العراق، لا في السياسة ولا في غيرها وتجد صغار الموظفين الذين قضوا في دوائرهم أكثر من اربعين عاماً يشعرون بالغبن عندما يحالون الى التقاعد مهما كان موقعهم بسيطاً وعملهم شاقاً وتزداد درجة التشبث بالموقع الى حالة منذرة بالسوء عندما يكون الموقع مهماً وذا صفة سياسية، فرئيسا الوزراء السابقين بعد 2003 لم يستوعبا خلال أربع سنوات أن يكونا رئيسي وزراء سابقين .وهكذا تصرفا أحياناً كرئيسي وزراء وأدارا جهدهما السياسي ليكون فقط طريقا يعودان عبره الى رئاسة الوزراء رغم أنهما سلما موقعهما بسلاسة. رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي لا يريد الدخول في الحلقة التي دخلها أسلافه، ولذلك هو يسعى بكل ما يمتلك من قوة للبقاء في موقعه بدل أن يخرج منه ثم يستمر في الحلم بالعودة إليه، والمالكي يبذل في سبيل ذلك جهداً عظيماً لضبط النفس والصبر على المفاوضات وصم الآذان عن الضغوطات معتمداً على وجوده الفعلي الآن في رئاسة الوزراء وعلى قصير نفس الآخرين. وغير هؤلاء، هناك مجموعة من الساسة الذين كان لهم دور ما في الأيام الأولى للتغيير ثم لم يتحملوا موضوع (التداول السلمي للسلطة) فاختفوا عن واجهة الأحداث، وهناك ممن كان في الصفوف الأولى فلم تسعفه الحظوظ فيما بعد فصار لا يبرز للعيان إلا في المواسم الانتخابية قبل أن يعاود الاختفاء مرة أخرى. رجل السلطة العراقي لا يستطيع الابتعاد كثيراً عن الموقع الذي كان يشغله فهو يظل يحوم حول ما يعتبره حقا له استلب منه أو فقده بسبب ملابسات غير عادلة، والحومان حول المنصب القديم يكون بالتصريحات والمقابلات الصحفية والحراك الداخلي والخارجي، ويبقى في حالة تأهب مستمرة للعودة، وهذا السلوك جزء من موروث ثقافي يرى ان السلطة ثوب يلبسه الله للشخص ولا ينزعه إلا الله، وإذا كان ساسة العراق على أستعداد للخوض في بحر من الدماء لئلا تلصق بها صفة (السابق) التي يتعامل البعض معها وكأنها إهانة رغم أن تغيير الوجوه والأحزاب والنظم هي جزء من سنة الحياة ومن سنن السياسة وتحديداً الديمقراطية. كراهية الخروج من موقع السلطة تعني أن البلد (أي بلد) قد يدخل حالة الجمود في أية لحظة ولن يخرج منها إلا بموت الزعيم أو بحدوث كارثة، والأرث السياسي لمنطقة الشرق الأوسط بأجمعه يتجه دائماً الى تفضيل السلطة السكونية التي تستمر حتى الموت ويعتبر التحول والتغيير أقرب الى الفتنة، وهذه فكرة تحاول التماهي مع الأدارة المطلقة للكون باعتبارها النموذج الأفضل بالاقتداء وهي هنا تتناقض مع محدودية الأنسان جسداً وعقلاً وأخلاقاً، وهذه المحدودية هي بالذات ما يجعل من الديمقراطية نظاماً أكثر أنسجاماً مع المجتمع البشري.كلمة (السابق) كريهة على نفوس الزعماء والساسة، لكن في بلد ديمقراطي (برلماني تحديداً) الأفضل لهم التعود عليها، فالأستمرار بكراهيتها سيسبب لهم وللعراق الكثير من المشاكل وقد يدفع بهم الى تصرفات غير مقبولة تسيء إليهم شخصياً.
قائمة الكتاب
